عطف الفضيلة على الوسيلة التي هي المقام المحمّدي المخصوص به في ذروة عالم الجنان ؛ إشارة إلى تفضيله بذلك المقام على سائر أهل المقامات من الأنبياء والأولياء عليهم السّلام ؛ كتفضيله بمرقده اللطيف على سائر أهل المراقد ، فمرقده عين الوسيلة ، وصورتها في هذا الموطن ؛ ولكن لا يعرفه إلا أهل المراقد العالي ، فاعرف .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « وأبعثه مقاما محمودا الذي وعدته » « 1 » :
: أي بقولك في التنزيل :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[ الإسراء : 79 ] .
: أي يقيمك فيه ، وهو المقام الكلي الجامع لجميع مقامات الكمال .
ومنها مقام الشفاعة العظمى « 2 » ، فعسى أطماع ، والأطماع من الكريم :
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
( 2 ) قال الرصاع : صاحب الشفاعة : اسم من أسمائه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وردت به الآثار ، ومشهور الأخبار .
وقد قدمنا أنّ من أسمائه الشفيع المشفع ، ولكل اسم منها معان تخصه مما دل على أنه عند مولاه بالمحل الأرفع .
فصاحب الشفاعة : أي المنفرد يوم القيامة بالسيادة وقضاء الحاجة ، وتنفيس الكربة ، وإظهار الكرامة حيث يعظم الهول ، ويشتد الأمر ، وتكثر الندامة .
والألف واللام في الشفاعة : يحتمل أن تكون للعهد ، أي صاحب الشفاعة المعهودة في الموقف العظيم ، والخطب الجسيم ، والهول الشديد في يوم الوعيد ؛ يوم : ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد .
فإذا جثت الخلائق على الركب ، وتميزت في العالم الأخروي أهل المكانة والرتب ، والتجأ أهل المحشر إلى سيد العجم والعرب ، أبرز مالك الملوك مكانة حبيبه في أعين العالمين ؛ وأبان قدرة وفضله وشفاعته على سائر الخلائق أجمعين .
ويحتمل أن تكون الألف واللام للجنس : أي صاحب كل شفاعة احتاج الخلق إلى اللّه تعالى فيها ، فلا يجدون أقرب ، ولا أعلى من حبيبه وصفيه وخليله صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ الذي لا ينازعه أحد فيها .
وقد قدمنا حديث الشفاعة في اسميه الشفيع المشفع ، وذكرنا شفاعته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبيّنا أقسامها بكلام مختصر أجمع .
ومما يناسب ذكره في هذا الاسم الكريم ويزيد القلوب حبّا وشوقا إلى النبي العظيم ، ما ذكره بعض المفسرين في قوله تعالى :لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ[ الحجر : 44 ] . -