تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 811

مساهمون:

ص٨١١

الزيارة الرابعة

الزيارة في شوال من سنة تسع وتسعين لما دخلت السفينة من قصبة « مدانية » غلبني القيء ، فعرفت أن زيارة حضرة الشيخ كما أنها سبب لزوال الأمراض الباطنة ، كذلك سبب لزوال الأمراض الظاهرة ؛ لأنه يحصل لي من قيء الصفراء المجتمعة على خفة بدن واعتدال مزاج . ولما دخلت على حضرة الشيخ وذلك وقت تهيئة للجمعة قبيل الزوال عامل معاملة جميلة وذهبت معه إلى جامع السلطان سليم ، فلما خلع نعليه عند باب الجامع أخذهما بيديه ورفعهما ووضعهما تحت الكرسي ، وذلك من دأبه في أكثر الأيام فأشار به إلى أمور . الأول : أنه فعل ذلك توصفا كما فعل مثل هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما هو اللائق بخلقه العظيم . والثاني : إرشاد في رفع الكبر . الثالث : تربية لمن خلفه من الصوفية فكان ذلك صورة غضب لما أن بعضهم تحادثوا خلفه ولم يك ذلك من الآداب ، ولما جلس مجلس الوعظ قال عند قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[ الأنفال : 15 ] : إن المراد هو الإيمان المطلق سواء كان رسميا بيانيا أو شهوديا عيانيا . فالأول : إيمان أهل الشريعة . والثاني : إيمان أهل الحقيقة ، وكلاهما معتبر مقبول يمنع لصاحبه عن الهالك . وقال أيضا : القيام الصلاتي إشارة إلى التقدير الأزلي ، وهو التفويض والركوع إشارة إلى التدبير الأبدي ، وهو التسليم والسجدة إشارة إلى الفناء الكلي عنهما إذ كما لا بد من التخلق بمثل هذه الصفات لا بد من الفناء عنها . دعاني حضرة الشيخ يوم السبت قبل الظهر إلى بيته الفوقاني ، فسأل عن أحوالي فأظهرت الشكاية عن ضعف البدن وبعض الموانع الصورية ؛ فقال : إن هذا حكم الوقت ، والشيء إذا ثبت ثبت بلوازمه ، وكل ذلك من لوازم ذلك . ثم قال : اجتهد في طريق الحق حق الاجتهاد ، وقل كما قال يوسف عليه السّلام :
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
[ يوسف : 33 ] . وكن يوسف ثانيا ؛ فإن تفرقك سبب لانتظامك وجمعيتك ، وما دبّر اللّه لك
مرآة الحقائق — صفحة 811 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي