تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 763

مساهمون:

ص٧٦٣
فظهر أن المعرفة في الأصل معرفة واحدة وهي معرفة اللّه تعالى المؤديّة إلى الشهود في الدنيا ؛ وهو الشهود الحجابي الباطني القلبي المؤدّي إلى الشهود الكشفي الظاهري القالبي ؛ لأن القلب يتصوّر في الآخرة بصورة القالب ، فيكون الشهود بالقلب والقالب جميعا ، وذلك للطافة الأبدان بلطافة العناصر والأركان بخلاف الأبدان الدنيوية ، فإن العناصر فيها لا تخلو عن الكثافة ، والحجاب . ومصداقه أن الغيب إذا انكشف ، وورد الموارد منه ، فقد لا يسع القلب ، ويرجع بعضه إلى ما بدأ منه ، ولا يعرفه إلا أهل الذوق ، ومن اللّه تلطيف العناصر ، وترقيق الباطن والظاهر « 1 » .
هامش
- يؤمنون بكلّ شيء ، ولا ينكرون عن شيء ، والمعرفة هي العلم باللّه الذي لا غاية له في العارفين يقفون عندها ، فلا يزيد عليها بل شأن العارف في كلّ زمان يطلب الزيادة ؛ لأنه كلما زاد علمه يستعد لعلم آخر فيقول :رَبِّ زِدْنِي عِلْماً[ طه : 114 ] ، فإذا حصل له ما يستعده يستعد لآخر أيضا فيقول :رَبِّ زِدْنِي عِلْماًوهكذا إلى ما لا يتناهى . ولهذا قال قدّس سرّه : ( المعرفة علم ألي ، وكشف كلّي ) أي : المعرفة المذكورة علم أليّ أي : إلهي من تجلّي الحق تعالى ولا نهاية للتجلّي فلا نهاية للعلم ، وأيضا المعرفة كشف كلّي لا كشف فوقه ؛ لأنه لا كشف فوق كشف العرفان ، وقد مرّ بحث الكشف تفصيلا وتوضيحا ثم عرّف الشيخ بغير ما عرّفه به سابقا اعتناء بشأنه ، وتنهيضا للسالك الطالب القاصد للمسلك التام . ( 1 ) قال الحكيم الترمذي : في تفاوت المعرفة والإيمان والتوحيد وما يشبه ذلك . المعرفة إذا عرف اللّه بقلبه واطمأن إليه فاستقر قلبه ، فهي معرفة ، ومبدؤها من اللّه - تبارك اسمه والموحّدون استوجبوا اسم العارف ، إلا أنهم تفاوتوا في تصديقه بالعمل والخدمة ، فأكثر وفاء بها أوفرهم حظّا منها ، وأخلصهم في ذلك أصدقهم . وأمّا كمال المعرفة ، فإذا زالت المعرفة لم يبق معه شيء والخائف علي نفسه محمود ؛ لأن النفاق عزل الإيمان . ورد : « والغيلان سحرة الجن » ، فكما أن الغيلان يسحرون الآدميين حتى يضلوهم عن الطريق في المفاوز ، فكذلك النفاق يدخل من حيث بصائر الهدى حتى يضله ، والسرور للمذنب والمطيع غرور ؛ لأن المذنب لم ينكشف له الغطاء عن حكم اللّه عزّ وجلّ فيه ، والمطيع لم ينكشف له عاقبته ، فالسرور علي ماذا ؟ هذا علي الأغلب ، وقد يكون أن يعتريه في بعض الحالات ما يرى من تدبير اللّه فيسرّ به ، وإن -