فظهر أن الشهود : شهود في الدنيا بالبصيرة ، وشهود في الآخرة بالبصر ، والثاني مبني على الأول ، وكذا الأول مبني على المعرفة الإلهية « 1 » .
ولذا قالوا : ألذّ الأشياء ؛ معرفة اللّه تعالى مع أن ألذّ الأشياء هو مشاهدة الجمال ، وحالة الوصال لما ان ذلك موقوف على المعرفة « 2 » .
هامش
( 1 ) اعلم أن المشهود المحقق يقضي على المشاهد بالشهادة على المشهود ؛ أنه من كونه مشهودا بشهود محقق واحد ؛ لكن هذه الشهادة شهادة حالية لا تعقّلية ؛ إذ لا تعقّل في الشهود ولا تميز ، وحصول هذا المشهود المحقّق مشروط بتوحّد المشاهد من حيث توجّهه ، واستهلاك كثرته في وحدته الأولى ، فإن الأولية في كل شيء هي الوحدة ، والكثرة متعلّقة في الرتبة الثانية .
ثم إن للمشاهد المحقق بعد التحقق بالمشهود المذكور والاتصال بالوحدة المشار إليها عودة ثانية من تلك الوحدة على مرتبة العلم الذي هو ثمرة ذلك المشهود من وجه ، وفي هذه المرتبة العلمية تذكر نفسه ، والتمييز المحكوم بثبوته في نفس الأمر القاضي بالتعدّد ؛ إذ المشهود لا يقضي بتعدّد ولا يبقى للمشاهد ما يدرك نفسه أو غيره .
وإذا عرفت هذا وفهمته عرفت معنى قولي : التوحيد صفة الشهود ، والتمييز من حكم العلم ، وعرفت أن الحق سبحانه بأي اعتبار يقال فيه أن علمه عين ذاته ، وبأي اعتبار يضاف عليه العلم في المرتبة الثانية من الذات الموصوفة بالأحدية ، فافهم والمرشد اللّه .
( 2 ) قال الشيخ الأكبر قدّس سرّه : ( المعرفة محض الإيمان ، ومشاهدة الإحسان ) أي : المعرفة التي هي صفة للعارف باسم اللّه أحدية جمع الأسماء كلها الذي هو صاحب القلب الحاصل من رحمة اللّه ورأفته ولطفه في اصطلاح هذه الطائفة ؛ لأن تعينات الأشياء في العلم بالفيض الأقدس ووجوداتها بالفيض المقدس وكلاهما من الأسماء اللطفية الجمالية ، فهي محض الإيمان الكامل باللّه وصفاته وأفعاله ، ومشاهدة الإحسان الوارد في الحديث النبوي حيث قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ، ومشاهدة أن يكون هذا عيانا له لا علما واعتقادا ، أو محض الإيمان بمعنى الإيمان المحض أي الخالص المنزه عن الشرك الخفي بأن لا يكون داخلا في الذين تصدق عليهم الآية :وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ[ يوسف : 160 ] ، وهو إيمان أهل القلوب الذين يعرفون بتقلب الحق في الصور بالتحول إليها ، فلا ينكرونه في صورة من الصور ، وأهل القلوب هم الذين يؤمنون باللّه وحده ؛ لأنه الغيب عندهم والبواقي من أركان الإيمان من الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره ليست مما أمنوا به ؛ لأن المؤمن به يجب أن يكون غائبا والمذكورات غير غائبة عنهم ؛ لأنهم يشاهدونها عيانا فافهم ، المؤمنون حقا -