تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 738

مساهمون:

ص٧٣٨
لي ، وأنا واقف في عرفات شكلان . فقلت : ما هذا ؟ فقيل : إنه خمسون ، فقد غفر اللّه لك ما تقدّم منك منذ خمسين سنة ، وقد كنت إذ ذاك ابن خمسين ، ووقع الهجرة إلى الشام بالإذن السماوي العيني ، وأنا ابن سبع وستين ، فلله الحمد على سير الحضرات صورة ومعنى ، والوصول إلى المقامات العالية ظاهرا وباطنا . وكان قائدي وسائقي في هذا السفر الشامي : حضرة الشيخ الأكبر ، والمسك الأزفر ، والكبريت الأحمر قدّس سرّه الأظهر ، ولمّا زرت قبره المنيف ، قلت : يا حق ، فقيل لي : أنت الحق ، وسرّ سرّي ، والحمد للّه على أن جعلني من أولاده المعنوية ، وساقني إلى جواره في الأرض المقدّسة الشامية . وحين زرت قبر حضرة الشيخ صدر الدين - قدّس سرّه - في بلدة قونية ، وهو ربيب حضرة الشيخ محيي الدين ، ووارث علومه ، وناقله في كلماته ، ظهر لي في لوح قبره نقش :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ
[ الإخلاص : 1 ، 2 ] ؛ إشارة إلى سرّ الأحدية في الفناء الذاتي ، وسرّ الواحدية في البقاء الصفاتي وهو الذي يليق بمقام الكمّل ؛ لأنهم أهل التبليغ والإرشاد ، ولن يقوم ذلك لهم إلا بما ذكر من الفناء والبقاء ؛ وهو الإرشاد من الحق إلى الحق ، ومن اسم إلى اسم ، كما يقتضيه السفر المعنوي ، وإلا فالمبدأ والمنتهى واحد . ولذا قيل : لا موجود إلا اللّه ، وليس في الدار سوى اللّه ؛ وهي إشارة إلى وحدة الوجود ، وقلّ من نال إلى معرفتها وذوقها وشهودها ، حتى طعنوا في القائل بها ، ونسبوه إلى مذهب الوجودية . وفرق بين الوجود بشرط لا شيء ، والوجود لا بشرط شيء فهو اللّه تعالى مطلق بالإطلاق الذاتي الحقيقي الذي ليس في مقابلة شيء من التقييدات لا بالإطلاق العارضي إلا أنها في الذي في مقابلة التقييد ، فإنه جاءت اعتبارية تنزّهه تعالى عن مثل ذلك الإطلاق ، وجلة الوجود وجود ظلّي ناظر إلى الوجود الحقيقي ؛ كوجود الأنوار النّيرة المستفادة من نور الشمس ، فإنه ناظر إليه ، ومنعكس منه ؛ ولذا قيل : لم ينقل الأحيان الثابتة ، والوجود الحقيقي على حاله الآن ، فسبحان من ظاهر وباطن ، لم يره أحد بهذه العيون ؛ وإنما رآه البصائر من مرائي شواهده .