تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 679

مساهمون:

ص٦٧٩
الاحتجاب ، وبالعلم يضمحل الجهل ، ولا يزال في كل نفس من أنفاسه يسافر إلى حال من الأحوال ، وإلى مقام من المقامات إلى أن ينتهي إلى آخرها بحسب استعداده . فإن المنتهى وإن كان واحدا كما قال تعالى :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] ؛ لكن نقاط الدائرة مختلفة بالنسبة إلى المركز ، فالتفاوت إنما هو في الكيفيات . ألا ترى إلى الأبصار فإنها لا تدرك إلا بقدر قوتها وضعفها ، وإن كان المرء قريبا . وأمّا الغنيمة في هذا السفر : فالاستكثار من العلوم الإلهية ، والمعارف الربّانية ، والحكم اللطيفة ، والحقائق الرقيقة ، والأذواق الشهية ، ومعانقات العذارى المقصورة في خيام ومواصلات حور عين ؛ كأمثال اللؤلؤ المكنون في أصداف البحر . وأية غنيمة فوق هذه الغنيمة ؟ فهذه غنائم الفقراء السالكين ، فإنهم قلّلوا الأغذية الجسمانية ، واختاروا السهر ، والصمت ، والخلوة حتى أغناهم اللّه من فضله الكثير ، ومنه الوفيرة ، وأراهم جماله حين قام الخلق ، وكالمهم ، وكان معهم حيث كانوا ، نسأل اللّه سبحانه أن يسلك بنا مسالك أولئك الواصلين ، ويرزقنا من نعيمهم ، ومزيدهم في كل حين .

63 - في الحديث : « من أهان سلطان اللّه ؛ أهانه اللّه ، ومن أكرم سلطان اللّه ؛ أكرمه اللّه » « 1 » :

الإهانة ضد الإكرام ، كما يعرف من المقابلة ، وسلطان اللّه أعم من أن يكون القرآن ، أو القائم بالقرآن بظاهره ومعناه ، والإمام الظاهر بصورة السلطنة . أمّا الأول ؛ فلأنه حجة اللّه وبرهانه على المنكرين ، فمن أهانه بترك العمل به ؛ أهانه اللّه بالعذاب المهين ، وكان عمر رضي اللّه عنه يقبّل المصحف كل صباح ، ويقول : هذا كلام ربي ؛ يعني : يعظّم ظاهره بالتقبيل ، وباطنه بالعمل بموجبه . ولا شك أن تعظيم الكلام تعظيم للمتكلّم ، وكذا الإهانة به ، واستحقاره
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 8 / 136 ) ، وأحمد ( 5 / 48 ) .