اللوح ، وفوقه القلم ، وكما أن اللّه تعالى كتب الآيتين بيده : أي بلا توسّط قلم وملك ، فكذا أنزلهما على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بلا توسّط شيء أيّا كان .
قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرأهما بعد العشاء الآخرة ؛ أجزاتاه عن قيام الليل » « 1 » ؛ لأن نزولهما كان في الليل ؛ فكان من فوائدهما الإجزاء المذكور ، وأشار بالعشاء الآخرة إلى الفرق الثاني الذي يحصل بعد شهود الحق بلا خلق ؛ وهو المقبول من الفريقين ؛ لأن الفريق الأول ؛ وهو شهود الخلق يلاحق من قبيل الحجاب ، كما أن العشاء الأولى ؛ وهي المغرب من قبيل النهار ، والليل ظاهره الظلمة ، وباطنه النور ، كما أن النهار بالعكس .
فمن قرأهما قراءة سرية بعد الفرق الثاني ، وتحقق بحقائقهما ، ووصل إلى ملكوتهما ؛ كفتاه عن قيام الليل ؛ لأن نوم العارف عبادة ، ونفسه تسبيح ، وحاله مناجاة ، ووقته كليلة الإسراء ، واللّه مشهود له على كل حال .
35 - في المتفق بين البخاري ومسلم : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كانت له أرض ينتفع بها ؛ فليزرعها لينتفع بها » أي : نفسه ، ومن يتعلّق به - أو ليمنحها أخاه » « 2 » :
أي : ليعطها أخاه المؤمن إمّا بالهبة ، أو بالإجارة ، أو بالعارية .
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لينتفع بها » هو ومن يتصل به ، « فإن أبى » : أي صاحب الأرض .
قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من الزرع والمنحة » ولم يكن له نصيب من الاسم النافع المعطي الجوّاد - فليمسك أرضه » .
وفيه توبيخ له ، وتنبيه على أنه صار بخيل ممسك خسيس ؛ لأن إمساكه إنما وقع على الأرض الخسيسة السفلية ، فكان من شأنه أن يرفع له عمل عال إلى السماء من الأرض ؛ لكنه من حيث الخضار لنفسه ، وضيقها الجنس في الأرض الضيقة ؛ فكان سفليا ؛ كالأرض .
وفيه إشارة إلى حال السالك ، فإنه ينبغي له أن يزرع أرض وجوده ، وتراب نفسه بما يمكن له من الأعمال الصالحة الشرعية ، ويسقيه بماء الصدق والخلوص ؛
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
( 2 ) رواه البخاري ( 2 / 825 ) ، ومسلم ( 3 / 1176 ) .