تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
لينتفع بها يوم لا ينفع مال من الصفات ، ولا بنون من القوى ، فإن لم يكن له معرفة بكيفية الإصلاح والزرع ، ولم يقدر على ذلك ؛ فليسلّم نفسه إلى من يقدر عليه من أرباب الإرشاد ، فإنه يعرف كيفية الزرع من جهة أعمال الشريعة ، ومن جهة أحوال الطريقة إلى أن ينبت نباتا حسنا بإذن اللّه تعالى ، كما قال تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
[ الأعراف : 58 ] . وذلك أن أكثر السّلّاك قاصرون عن الاستفادة الروحانية ، أو السرية من غير توسّط واسطة ، وأعني بالاستفادة الروحانية : أن يأخذ بالروح من روح بقدر الطاقة ، وبالسرية : أن يأخذ بالسر من اللّه تعالى . فالاستفادة الأولى بلا واسطة جسم من الأجسام وهو نادر ، والثانية بلا واسطة روح من الأرواح ، وهو أندر ، وعليه أويس القرني رحمه اللّه ، ومن يتصل به في ذلك ونظيره في القرن الموسوي برخ الأسود ؛ فإنه مثل أويس في هذه الأمة . ويقال : لا مثال له الذاتيون ، ولغيرهم الصفاتيون ، ولكل منهم مشرب مخصوص ، وما يقال : من أن أويسا ، وبرخ الأسود كانا يأخذان من الأرواح بالقلوب ، والأرواح بلا واسطة صحبه جسمانية ، ومكالمة لسانية ، فليس بمسلم عند كمّل أرباب الحقائق ، فانحصر السلوك في ثلاثة الأخذ بواسطة صحبة جسمانية ، كما هو الغالب ، والأخذ بواسطة صحبة روحانية كما هو النادر ، والأخذ بلا واسطة شيء من روحاني وجسماني وهو الأندر . ففي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( فليزرعها ) : إشارة إلى القسم الثالث كما كان حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ حيث كان يجتهد في جبل حراء إلى أن فاجأه الوحي والفيض . وفي قوله : ( أو ليمنحها ) : إشارة إلى القسم الأول ، وفي التعبير عن الواسطة الجسمانية بالأخوة إشارة إلى حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع المؤمنين الذي جاءوا بعده حيث عدّهم من إخوانه ، كما عدّ معاصريه من أصحابه ، وذلك أن المرشد إنما يأخذ في الحقيقة من مشكاة النبوة شريعة وحقيقة ، فكما أن النبي أخو ذلك المرشد من حيث خلافته بعده ؛ فكذا هو أخو من هو في تربية ذلك المرشد على أن الأخوة الدينية لا