تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
فظنوا أن سلوك الأنبياء ، وأكمل الأولياء من النفس الراضية المرضية الصافية ، فإن هذا السلوك لا ينافي أمارية النفس في الحقيقة ؛ لأن الكلام في الفعل لا في القوة ، ولم يظهر من الأنبياء آثار الجلال بالفعل ؛ فهم كالملائكة في صورة البشر ، ويدلّ على ما ذكرنا قوله تعالى :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
[ يوسف : 24 ] . وقوله :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] . وقوله :
أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ يوسف : 33 ] ، فاعرف هذه الجملة ، واللّه أرحم الراحمين ، وبيده نواصي العباد أجمعين . * * *

في سورة الطلاق

قال اللّه سبحانه وتعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطلاق : 3 ] صدق اللّه العظيم . هذه الآية الشريفة جامعة لأنواع التوكّل ، وأضاف الحاجات ؛ فإن اسم اللّه تعالى جامع لمراتب الأسماء التي لا يتجاوزها حاجات الناس مع اختلاف مراتبهم ، وتفاوت طبقاتهم ، فمن ذكر كان أو أنثى ، عبدا كان أو سيدا يتوكّل على اللّه الرزّاق في أمر الرزق ؛ فهو حسبه فيه . ومعنى التوكّل : أن يجعل اللّه تعالى وكيلا له ، كما قال اللّه تعالى :
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
[ المزمل : 9 ] . ولذا قالوا : التوكّل كله الأمر كله إلى اللّه تعالى ؛ وكذا من يتوكّل على اللّه الشافي في باب الشفاء عن أمراضه الجسمانية والروحانية ؛ فهو حسبه فيه ، وكذا من يتوكّل على اللّه الجامع في خصوص الجمع لما تشتّت منه ، وتفرّق ؛ فهو حسبه ، وكذا من يتوكّل على اللّه الغني في مغني الغني ، ودفع الافتقار بكل وجه من الوجوه غير الافتقار الذاتي ، فإنه لا يرتفع أبدا ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه العزيز في دفع ذلّة الذي هد يعطر ذلّ اليهود ؛ فهو حسبه فيه . ومن يتوكّل على اللّه المكرم في إزالة إهانته الموجبة لهوانه بين الناس المقتضية للاستيحاش عند الاستنباش ؛ فهو حسبه ، ومن يتوكّل على اللّه القوي ؛ لرفع ضعفه الحاصل له من مرضه أو من غيره إلا الضعف الخلقي الذي أشار إليه قوله تعالى :
مرآة الحقائق — صفحة 403 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي