تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩

وفي سورة الزخرف

قال اللّه سبحانه وتعالى :
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ
[ الزخرف : 54 ] . يعني : إن فرعون وجد قومه خفيفا ؛ ولذا مالوا إليه بالإطاعة ؛ لأن الخفيف إلى الخفيف يميل ، ومال الخفيف إلى النار ، كما قال :
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ
[ القارعة : 8 ، 9 ] . ولا شك أن خفة الموازين من قلة الأعمال ، وهي من خفة القلب المائل إلى الهوى ، وفيه إشارتان : الأولى : إن القلب إذا كان خفيفا ؛ فالقوي أيضا كذلك ؛ لأنها تابعة له كما أن الرعايا تابعة للسلطان ، كما قيل : الناس على دين ملوكهم ، وثقله ، ومتانته ، إنما هو من خوف اللّه تعالى ، فإن الخائف من اللّه لا يميل إلى المنكرات ؛ بل يثبت عندما عيّن له من الشرائع ، وبقدر الخوف والعمل بمقتضاه ، يعرف مقادير الناس ، ومراتبهم في التقوى . والثانية : إن الملوك لا بد لهم من الرزانة ، والوقار ، والحياء في الصورة بلا تقليد ، وتلوين ، ورياء ، فإن ذلك مما يدلّ على ما في قلوبهم من المعاني والحقائق ، وقد طلب بعض الأولياء من اللّه تعالى أن يلقي في قلوب الناس هيبته في حقه ؛ لكون ذلك أقرب لقبول ما عنده من الحق ؛ فكأنه طلب أن يلقى ذلك في قلبه ، فإنه إذا كانت حقائق الصفات والأحوال في باطن الإنسان ؛ فظاهره يكون أهول وأهيب . ولذا ترى ملوك الزمان وأمراءه يتكلّفون في الأوضاع ، ويرون من أنفسهم ما ليس في قلوبهم ، ومن ثم لا يعدّهم الناس في جملة المراجيح الرزان ؛ بل يسخرون بهم في خلواتهم ، والمتحققون المتشيّخون ، فما اشترى العارفون ذلك منهم بفلس ؛ لفرقهم بين الجيد والردىء ، والطيب والخبيث . فإن الأقوال والأعمال تنادي على المراتب مطلقا ، وقد استخفّوا بعض الناس من أخفاء الأحلام ، فوضعوا على رؤوسهم التيجان ، وألبسوهم الخرق والمرقّعات ، فما جاء مصداقهم كلهم إلا قوله :
فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ
[ الأحقاف : 25 ] أي : قوالبهم الظلمانية في حال حياتهم والقباب المضروبة عليهم بعد
مرآة الحقائق — صفحة 369 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي