تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
قوله عز وجلّ :
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] ، لم يقل : ولكن لا تسمعون تسبيحهم مع ظهوره ؛ لأن المقصود الأصلي من سماع التسبيح هو : فقه معناه ، والوصول إلى معرفة الحقائق ، وإذ لا فائدة في مجرّد السمع والبصر بدون الإدراك الحقيقي خص الفقه بالذكر ، ومن هذا القبيل ما قال تعالى :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 198 ] ؛ يعني : إن صورة النظر لا تقتضي حقيقة الإبصار . فالنبي وغيره مشتركان في صورة الإبصار والإحساس ؛ لأن الكل من حيث صورته ، ومن ناظر إليه من حيث حقيقته ، فالناظر بالنظر الأول ؛ أهل الحجاب ، والناظر بالنظر الثاني ؛ أهل الكشف ، وقد فرّق اللّه تعالى بين صورة النبي ومعناه بقوله :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
[ الكهف : 110 ] . فإن البشرية مما يلي جانب الخلق ، والوحي مما يلي جانب الحق ، فالخلق ظاهر ، والحق مستور عند المحجوب ، والأمر بالعكس عند المكاشف . ولذا قال في كل حال : لا إله إلا هو ، اللّهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر ، والمبصرين للصورة . وقال تعالى :
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً
[ الإسراء : 58 ] . أشار بالقرية إلى قرية القالب الإنساني التي يسكنها القلب ؛ فإنها تخرّب بالموت الطبيعي الذي هو القيامة الصغرى قبل أن تقوم القيامة الكبرى ، كما تخرّب القرية بما هو في حكم الموت من الآفات ، وهذا الخراب لا يقبل العمارة أصلا ؛ لأنه لا حياة بعد الموت . وبالنسبة إلى العادة الإلهية كما قال حكاية عن عزير عليه السّلام :
قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
[ البقرة : 259 ] ؛ ومعنى العذاب إصابة الشدائد ، ومسّ المحن والمكاره ، فإن ذلك في حكم العذاب الأخروي ، فكما أن العذاب الأخروي لتخليص الجوهر عن الكدورات ؛ فكذا الابتلاء الدنيوي ، كما قال تعالى :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[ السجدة : 21 ] .