تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
قال تعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
[ الإسراء : 82 ] . قدّم الشفاء ؛ لأنه إشارة إلى سورة الفاتحة ، والآيات المتعلّقة بالأدعية . لطيفة وفائدة : قد صحّ أن الفاتحة شفاء من كل داء ، إذا قرئت ونفخت بحضور القلب ، وكذا إذا كتبت في إناء ، وغسّل الرسم بماء مطلق ، أو بماء الورد ، وشربه المريض ، أو من في حكمه ، وكذا إذا كتبت ، وعلّقت على الأعناق والصدور ، فكما لا بد من حضور القلب في جانب القارئ والكاتب ؛ فكذا لا بد من حسن الاعتقاد ، وحسن الظنّ باللّه في جانب المقروء عليه ، والمكتوب له إذا كان من شأنه ذلك . ولذا قيّد بكونه شفاء للمؤمن ؛ فإن غير المؤمن لا يجده شفاء بحسب اعتقاده ، وإن كان هو في نفس الأمر شفاء ، كما أن التوحيد حاصل في نفس الأمر سواء عرفوه أم لا ، وإنما الكلام في كلمته ، والاعتقاد له ، فمن لم يتكلّم بكلمته ، ولم يعتقده ؛ لم يكن التوحيد حاصلا بالنسبة إليه : أي بالفعل كمن عنده عسل ، وهو ينكر حلاوته ؛ لغلبة الإصفرار على مزاجه ، أو كان الضرير ينكر نور الشمس ، وهو ظاهر . والحاصل : إن القصور ، والهمم ، والنيّات مؤثّرة جدا غالبا ، وإنما قلنا : غالبا ؛ لأنه قد يتخلّف التأثير بحسب بعض العوارض ، والموانع . ألا ترى أن بعض الأنبياء تجيء يوم القيامة ، وليس معه أحد ؛ لغلبة الظلمات على نفوس أمته ، فكانوا بحيث لا يتأثّرون من كلامه ، وإن كان كلامه جد مقرونا بالهمة القوية ، وقد جدّ نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم في إيمان عمه أبي طالب ، واهتم بذلك ؛ لكن لم يعقبه التأثير ، واللّه يفعل ما يشاء . والرحمة ؛ إشارة إلى ما في القرآن من الوعد والبشرى نحو قوله تعالى :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
[ الأنعام : 54 ] . وقوله :
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر : 53 ] . وقوله :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأعراف : 156 ] ، ونحو ذلك ؛ فهي رحمة خاصة تحصل للمؤمن في الدّارين .