ونحوهم ، وكذا العلوم الكشفية إذا لم تكن سفلية متعلّقة بالأكوان ؛ بل كانت علوية
هامش
- وحقائقه ؛ متعينا وغير متعيّن ؛ أي متناهيا وممتازا عن غيره وغير متناه ولا ممتاز ؛ إذ أعيان الممكنات غير متناهية ؛ فلو استجلاها العلم متناهية متعينة محصورة في عدد معلوم ؛ لم يكن ذلك علما ، فإن المعلوم ليس كذلك ، واستجلاؤه لبعض شؤونه على التعيين مع بعض ظهوراته في أمر جامع مستوعب ؛ هو حقيقة العقل الأول ؛ وأنه الذكر المشار إليه بقوله :وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ[ الأنبياء : 105 ] فمرتبة العلم كما بيّنا أول ، ويليه الذكر الذي هو الحضور مع ما قصد العالم استجلاؤه على التعيين من بين معلوماته ليبرزها ، وإن شئت قلت : ليظهر متعينا فيها ، والزبور هنا هو اللوح المحفوظ ، فالتعقّل هو الاستجلاء ، والحضور مع ما يستجليه بعد حفظه وقصده ؛ لإفرازه من بين باقي المعلومات بالذات والاختيار جميعا ؛ هو ذكره لذلك ؛ وتصوره لتلك الجملة في أمر جامع لمراتب تعين كل ذلك هو الكتابة المتعلقة السابقة على الكتابة الظاهرة المرموقة في ذلك الأمر الجامع ، والمادة الجامعة لكل ما ذكرنا صورة من صور العماء ، والعلم الذاتي هو المحيط نحو ما ذكرنا ، فافهم .
وبعد تقديم هذه القاعدة الكلية ، فاعلم أن ارتسام المعلومات في ذات كل عالم كان من كان إنما يكون بحسب نفس العالم ، فإنه كالمحل لما يرتسم وينطبع فيها كما أشرت إليه في غير هذا الموضع من كتبي ؛ أن كينونة كل شيء في أمر ما وتعينه إنما يكون بحسب المحل ، وسواء كان المحل معنويا ، كما ذكرناه الآن في شأن المعلومات مع نفس العالم ، أو كان محسوسا ؛ كحال المرآة مع ما ينطبع فيها ، وهذا السر قد يتفطّن له أهل الفطر السلمية بأيسر تأمّل ؛ وإن لم يكونوا من أهل الذوق والاطلاع .
فإذا وضح لك هذا مع استحضارك ما وقع عليه الاتفاق من أن حقيقة الحق مجهولة ؛ وإن حقيقته من حيث محض ذاته ممتازة عن حقيقة كل ذات ، عرفت أن تعين حقائق العالم من حيث ارتسامها في علمه الذاتي مخالف لا تسأمها وتعينها في علم كل عالم سواه ؛ ومن البين أيضا أن الحق لا يتجدد له علم بشيء ولا يقوم به الحوادث .
فثبت أن الأعيان الثابتة المسماة عند الحكماء بالماهيات باعتبار تعينها في علم الحق غير مجعولة كما مر بيانه ، وهي بعينها من حيث تعينها وارتسامها في علم من سواه مجعولة ؛ لأن علم من سواه علم حادث انفعالي عارض بتبعية الوجود المستفاد من فيض الحق ، وعلم الحق علم ذاتي أزلي فعلى غير عارض ولا مستفاد ، فتعقلاته سبحانه للأشياء تعقلات أزلية أبدية على وتيرة واحدة لا يقبل التبدل والتغير أصلا لما مر بيانه .
فمتى أمعنت النظر في هذا الأصل ؛ عرفت سبب غلط الناس في هذه المسألة ؛ القائلين منهم بأن الأعيان الثابتة غير مجعولة مطلقا والقائلين يجعلها ؛ وتحققت أنها باعتبار تعينها في علم الحق غير مجعولة باعتبار تعينها في علم من سواه مجعولة ، فافهم واللّه المرشد . وانظر : النفحات ( ص 128 ) بتحقيقنا .