أي لمن كان من الخواص لا لمن كان من العوام ، فإن العام إخوان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما أن الخواص أصحابه ، ولما كانت مراتب الكشوف متباينة ؛ وقع بعض الناس في بعض من أهل البداية والتوسّط فيما يخالف مرتبة كشوفهم .
وأمّا أهل النهاية فلمّا كانت مشاربهم من نهايات المشارب ، وكشوف من غايات الكشوف ؛ سلّموا الأمور إلى أربابها ، وسكتوا عن الطعن ، والعراض لما علموا من أن الوصول إلى الحقيقة لا يعطيى ذلك ، وأن الواصل الحقيق بكل أفراده ؛ كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفها ؛ فلذا كان كلماتهم مناسبة ؛ بل ربما كانت متوافقة لما إنها من عين الجمع الأحدي ، وليس وراءه غاية ؛ ولذا سلّم بعضهم عن لسان بعض ؛ لأن الإنسان لا يطعن في نفسه ، فاعرف هذه الإشارة المفصحة عن المراتب وتباينها .
وقوله تعالى :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[ المائدة : 54 ] .
يشير إلى أعين العزّة ؛ لأن الذّلة لأهل العزّة عزة ، كما أن التكبّر لأهل الكبرياء تواضع .
وقد قال تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] .
أي : وللمؤمنين الذين أعزّهم اللّه بعزّة نفسه ، وبعزّة رسوله ؛ فإنهم حزب اللّه الغالبون وإنهم الجند المنصورون ، فلهم الفعل الذي هو عين العزّة ولأعدائهم الانفعال الذي هو عين الذّلة .
فالمؤمنون في درجة الذكورة ، وإن كانوا إناثا ، والمنافقون والكافرون في درجة الأنوثة وإن كانوا ذكورا ، فعليك بالتشبّه بالذكور حتى تكون مذكّرا حقيقيا .
قال اللّه سبحانه وتعالى :
وَإِذا جاؤُكُمْ
[ المائدة : 61 ] .
أي : دخل المنافقون بالنفاق الشرعي مجالسكم ؛ ومعنى النفاق الشرعي : إظهار الإيمان ، وإبطان الكفر .
قال تعالى :
قالُوا
[ المائدة : 61 ] ؛ بالقول اللساني بالاعتقاد الجناني .
قال عز وجلّ :
آمَنَّا
[ المائدة : 61 ] ؛ كإيمانكم المشتمل على الصدق ، والإخلاص ، واليقين ؛ وفيه إظهار الدعوى ، وإخلاء القلب عن المعنى .
ولذا قال تعالى :
وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ
[ المائدة : 61 ] ؛ الذي هو إنكار الحق ؛ كنبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال تعالى :
وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ
[ المائدة : 61 ] .