[ 64 ]
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 64 ]
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 )
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » .
غلّ اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود . ومنه قوله تعالى :
« وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ »
« 1 » ولا يقصد من يتكلّم به إثبات يد ولا غلّ ولا بسط . فإن قلت : قد صحّ أنّ قولهم :
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
عبارة عن البخل . فما تصنع بقوله :
« غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ » ؟
ومن حقّه أن يطابق ما تقدّمه وألّا تنافر الكلام ؟ قلت : يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل ، ومن ثمّ كانوا أبخل خلق اللّه . ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغلّ الأيدي حقيقة يغلّلون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذّبين بأغلال جهنّم ، والطباق من حيث اللّفظ وملاحظة أصل المجاز . فإن قلت : كيف جاز أن يدعو اللّه عليهم بما قبح وهو البخل والنكد ؟ قلت : المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم فيزيدون بخلا إلى بخلهم ، أو بما هو مسبّب عن البخل من لصوق العار بهم . وإنّما ثنّيت اليد في
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »
وهي مفردة في
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدلّ على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه . وذلك أنّ غاية ما يبذله السخيّ بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعا ، فبنى المجاز على ذلك .
« يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » .
تأكيد للوصف بالسخاء ودلالة على أنّه لا يتّفق إلّا على مقتضى الحكمة والمصلحة . روي : انّ اللّه كان قد بسط على اليهود حتّى كانوا من أكثر الناس مالا . فلمّا عصوا اللّه في محمّد صلّى اللّه عليه وآله وكذّبوه ، كفّ اللّه ما بسط عليهم من السعة . فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء : يد اللّه مغلولة . ورضي بقوله الآخرون . « 2 »
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » ؛
أي : نعم الدنيا ونعم الآخرة . أو : نعمه الظاهرة ونعمه الباطنة .
هامش
( 1 ) - الإسراء ( 17 ) / 29 .
( 2 ) - الكشّاف 1 / 654 - 657 .