تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
في ذلك فسيروا وليس المراد الأمر بالمسافرة في الأرض بسير الاقدام لا محالة بل المقصود تعرف أحوالهم فان حصلت المعرفة بغير السير حصل المقصود ولعل اختيار لفظ سيروا مبنى على أن اثر المشاهدة أقوى من اثر السماع كما قيل ليس الخبر كالمعاينة وفي هذا المعنى قيل
ان آثارنا تدل علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار
فَانْظُروا
بنظر العين والمشاهدة
كَيْفَ
خبر مقدم لكان معلق لفعل النظر والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض لان الأصل استعماله بالجار
كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
رسلي وأوليائي
هذا
إشارة إلى ما سلف من قوله قد خلت إلخ
بَيانٌ لِلنَّاسِ
وهم المكذبون اى إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب فان الأمر بالسير والنظر وان كان خاصا بالمؤمنين لكن العمل بموجبه غير مختص بواحد دون واحد ففيه حمل للمكذبين أيضا على أن ينظروا إلى عواقب ما قبلهم من أهل التكذيب ويعتبروا بما يعاينون من آثار دمارهم وان لم يكن الكلام مسوقا لهم والبيان هو الدلالة على الحق في أي معنى كان بإزالة ما فيه من الشبهة
وَهُدىً
اى زيادة بصيرة وهو مختص بالدلالة والإرشاد إلى طريق الدين القويم والصراط المستقيم ليتدين به ويسلك
وَمَوْعِظَةٌ
وهو الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في الدين
لِلْمُتَّقِينَ
اى لكم والإظهار للايذان بعلة الحكم فان مدار كونه هدى وموعظة لهم انما هو تقواهم . واعلم أن الأمم الماضية خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم اثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة فرغب اللّه تعالى أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم المصدقين في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإنابة والاعراض عن الاغترار بالحظوظ الفانية واللذات المقتضية فان الدنيا لا تبقى مع المؤمن ولا مع الكافر فالمؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى والكافر بخلافه فاللائق ان يجتهد فيما هو خير وأبقى ولا ينظر إلى زخارف الدنيا . ثم في هذا تسلية للمؤمنين فيما أصابهم يوم أحد فان الكفار وان نالوا من المؤمنين بعض النيل لحكمة اقتضته فالعاقبة للمؤمنين قال تعالى
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
و
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
ولو كانت الغلبة كل مرة للمؤمنين لصار الايمان ضروريا وهو خلاف ما تقتضيه الحكمة الإلهية . فعلى العاقل ان يفوض الأمر إلى اللّه ويعتبر بعين البصيرة في الأمور الخفية والجلية وقد قال اللّه تعالى
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
نرود مرغ سوى دانه فراز * چون دكر مرغ بيند اندر بند
پند كير از مصائب دكران * تا نكيرند ديكران ز تو پند
والخوف من العاقبة من الصفات السنية للصلحاء - روى - انه يعذب الرجل في النار الف سنة ثم يخرج منها إلى الجنة قال الحسن البصري رحمه اللّه يا ليتني كنت ذلك الرجل وانما قال الحسن ذلك لأنه يخاف عاقبة امره وهكذا كان الصالحون يخافون عاقبة أمرهم وكان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يكثر ان يقول ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على