تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
وكان صلى اللّه عليه وسلم يضرب مثلا للمؤمنين والمنافقين والكافرين كمثل رهط ثلاثة رفعوا إلى نهر فقطعه المؤمن ووقف الكافر ونزل فيه المنافق حتى إذا توسط عجز فناداه الكافر هلم إلى لا تغرق وناداه المؤمن هلم إلى لتخلص فما زال المنافق يتردد بينهما إذ اتى عليه ماء فغرقه فكان المنافق لم يزل في شك حتى يأتيه الموت
اى كه دارى نفاق اندر دل * خار بادت خليده اندر حلق
هر كه سازد نفاق پيشه خويش * خوار گردد بنزد خالق وخلق
والإشارة
إِنَّ الْمُنافِقِينَ
انما
يُخادِعُونَ اللَّهَ
في الدنيا لان اللّه تعالى
وَهُوَ خادِعُهُمْ
في الأزل عند رش نوره على الأرواح وذلك ان اللّه خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فلما رش نوره أصاب أرواح المؤمنين وأخطأ أرواح المنافقين والكافرين ولكن الفرق بين المنافقين والكافرين ان أرواح المنافقين رأوا رشاش النور وظنوا انه يصيبهم فاخطأهم وأرواح الكافرين ما شاهدوا ذلك الرشاش ولم يصبهم وكأن المنافقين خدعوا عند مشاهدتهم الرشاش إذ ما أصابهم فمن نتائج مشاهدتهم الرشاش
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ
من نتائج حرمانهم إصابة النور
قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ
كيما يرونهم النور
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
لأنهم يذكرونه بلسان الظاهر القالبى لا بلسان الباطن القلبي والقالب من الدنيا وهي قليلة قليل ما فيها والقلب من الآخرة وهي كثيرة كثير ما فيها فالذكر الكثير من لسان القلب كثير والفلاح في الذكر الكثير لا في القليل لقوله تعالى
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
اى بلسان القلب
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب كان قليلا فما أفلحوا به وانما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر لأنه رأى رشاش النور ظاهرا من البعد ولم يصبه فلو كان أصابه ذلك النور لكان صدره منشرحا به كما قال تعالى
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
اى على نور ممارش به ربه ومعدن النور هو القلب فكان قلبه ذاكرا للّه بذلك النور فإنه يصير لسان القلب فقليل الذكر منه يكون كثيرا فافهم جدا فلما كانت أرواح المنافقين مترددة متحيرة بين مشاهدة رشاش النور وبين الظلمة الخلقية لا إلى هؤلاء الذين أصابهم النور ولا إلى هؤلاء الذين لم يشاهدوا الرشاش لذلك كانوا
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ
المؤمنين والكافرين
لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
بأخطاء ذلك النور كما قال ومن اخطأه فقد ضل
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
هاهنا إلى ذلك النور يدل عليه قوله
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
اى ومن لم يجعل اللّه له قسمة من ذلك النور المرشش عليهم فماله اليوم نصيب من نور الهداية كذا في التأويلات النجمية اللهم ارزقنا الذكر الكثير واعصمنا من الذنب الصغير والكبير . يقال حصون المؤمن ثلاثة المسجد وذكر اللّه وتلاوة القرآن والمؤمن إذا كان في واحد من ذلك اى من الأشياء الثلاثة فهو في حصن من الشيطان قال على رضى اللّه عنه ( يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام الا اسمه ومن القرآن إلا رسمه يعمرون مساجدهم وهي خراب من ذكر اللّه تعالى شر أهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود : قال السعدي قدس سره