تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
فان عبادتها وان لم تكن تغييرا لصورها لكنها تغيير لصفتها فان شيأ منها لم يخلق لان يعبد من دون اللّه وانما خلق لينتفع به العباد على الوجه الذي خلق لأجله وكذا الكفر باللّه وعصيانه فإنه أيضا تغيير خلق اللّه من وجهه صفة فإنه تعالى فطر الخلق على استعداد التحلي بحلية الايمان والطاعة ومن كفر باللّه وعصاه فقد أبطل ذلك الاستعداد وغير فطرة اللّه صفة ويؤيده قوله عليه السلام ( كل مولود يولد على فطرة الإسلام فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) وكذا استعمال الجوارح في غير ما خلقت لأجله تغيير لها عن وجهها صفة . والجمل الأربع وهي لأتخذن ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم كل واحدة منها مقول للشيطان فلا يخلو اما ان يقولها بلسان جسمه أو بلسان فعله وحاله
وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ
بايثار ما يدعو اليه على ما امره اللّه به ومجاوزته عن طاعة اللّه تعالى إلى طاعته
فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً
لأنه ضيع رأس ماله بالكلية وبدل مكانه من الجنة بمكانه من النار
يَعِدُهُمْ
ما لا ينجزه من طول العمر والعافية ونيل لذائذ الدنيا من الجاه والمال وقضاء شهوات النفس
وَيُمَنِّيهِمْ
مالا ينالون نحو ان لا بعث ولا حساب ولا جزاء أو نيل المثوبات الأخروية من غير عمل
وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
وهو اظهار النفع فيما فيه الضرر وهذا الوعد اما بإلقاء الخواطر الفاسدة أو بألسنة أوليائه . وغرورا اما مفعول ثان للوعد أو مفعول لأجله اى ما يعدهم لشئ الا لان يغرهم . واعلم أن العمدة في إغواء الشيطان ان يزين زخارف الدنيا ويلقى الأماني في قلب الإنسان مثل ان يلقى في قلبه انه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده ويستولى على أعدائه ويحصل له ما تيسر لأرباب المناصب والأموال وكل ذلك غرور لأنه ربما لا يطول عمره وان طال فربما لا ينال أمله ومطلوبه وان طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فلا بد ان يفارقه بالموت فيقع في أعظم أنواع الغم والحسرة فان تعلق القلب بالمحبوب كلما كان أشد وأقوى كانت مفارقته أعظم تأثيرا في حصول الغم والحسرة ولذلك قيل
الفت مكير همچو الف هيچ با كسى * تا بشنوى ألم نشوى وقت انقطاع .
فنبه سبحانه وتعالى على أن الشيطان انما يعد ويمنى لأجل ان يغر الإنسان ويخدعه ويفوت عنه أعز المطالب وانفع المآرب . فالعاقل من لا يتبع وسواس الشيطان ويبتغى رضى الرحمن بالتمسك بكتابه العظيم وسنن رسوله الكريم والعمل بهما ليفوز فوزا عظيما وكفى بذلك نصيحة
أُولئِكَ
إشارة إلى أولياء الشيطان وهو مبتدأ
مَأْواهُمْ
اى مستقرهم وهو مبتدأ ثان
جَهَنَّمُ
خبر للثاني والجملة خبر للأول
وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً
اى معدلا ومهربا من حاص يحيص إذا عدل وعنها متعلق بمحذوف وقع حالا من محيصا اى كائنا عنها ولا يجوز ان يتعلق بيجدون لأنه لا يتعدى بعن ولا بقوله محيصا لأنه اما اسم مكان وهو لا يعمل مطلقا واما مصدر ومعمول المصدر لا يتقدم عليه . والإشارة ان اللّه خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم السعداء وخلق النار وخلق لها أهلا وهم الأشقياء وخلق الشيطان مزينا وداعيا وآمرا بالهوى فمن يرى حقيقة الإضلال ومشيئته من إبليس فهو إبليس وقد قال تعالى
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
تفسير روح البيان — صفحة 289 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي