تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
ما هي عليه ضروري يقول الرجل ما علم اللّه في فلان خيرا يريد ما فيه خير حتى يعلمه ولما بمعنى لم الا ان فيه ضربا من التوقع فدل على نفى الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل تقول وعدني ان يفعل كذا ولما يفعل اى لم يفعل وانا أتوقع فعله
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
نصب بإضمار ان والواو بمعنى الجمع والمعنى أم حسبتم ان تدخلوا الجنة والحال انه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر على الشدائد اى الجمع بينهما فلا ينبغي ان تحسبوا دخولها كما دخل الذين قتلوا وبذلوا مهجتهم وثبتوا على على ألم الجراح والضرب من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم ومن البعيد ان يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع عدم اعمال هذه الطاعة
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ
اى الحرب فإنها من مبادى الموت أو الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدرا وكانوا يتمنون ان يشهدوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مشهدا لينالوا ما ناله شهداء بدر من الكرامة فألحوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الخروج ثم ظهر منهم خلاف ذلك
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ
اى من قبل ان تشاهدوه وتعرفوا هوله وشدته
فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ
اى ما تتمنونه من أسباب الموت أو الموت بمشاهدة أسبابه
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم ان تقتلوا فلم فعلتم ما فعلتم وهو توبيخ لهم على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة بناء على أن في تمنيها تمنى غلبة الكافر المسلم لان قصد متمنى الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء من غير أن يخطر بباله شئ غير ذلك فلا يستحق العتاب من تلك الجهة كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني يقصد إلى حصول المأمول من الشفاء ولا يخطر بباله ان فيه جر منفعة وإحسانا إلى عدو اللّه وتنفيقا لصناعته . واعلم أن حاصل الكلام ان حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر وذلك لان سعادة الدنيا لا تحصل الا باشتغال القلب بطلب الدنيا وسعادة الآخرة لا تحصل الا بفراغ القلب من كل ما سوى اللّه وامتلائه من حب اللّه وهذان الأمران مما لا يجتمعان فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما . وأيضا حب اللّه وحب الآخرة لا يتم بالدعوى فليس كل من أقر بدين اللّه كان صادقا ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحرمات فان الحب هو الذي لا ينتقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء فان بقي الحب عند تسلط أسباب البلاء ظهر ان ذلك الحب كان حقيقيا فلهذه الحكمة قال
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
بمجرد تصديقكم الرسول قبل ان يبتليكم اللّه بالجهاد وتشديد المحنة . قال القشيري رحمه اللّه من ظن أنه يصل إلى محل عظيم دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه في مهواة الهلاك وان من عرف قدر مطلوبه سهل عليه بذل مجهوده قال الشاعر
وما جاد دهر بلذاته * على من يضن بخلع العذار
فالدولة العظمى هي سعادة الآخرة فإنها باقية ودولة الدنيا فانية كما قيل
جهان مثال چراغيست در گذرگه باد * غلام همت آنم كه دل برو ننهاد
وسئل الشبلي عن نعت العارف فقال لسانه بذكر اللّه ناطق وقلبه بحجة اللّه صادق وسره بوعد اللّه واثق وروحه إلى سبيل اللّه سابق وهو ابدا على اللّه عاشق فلا بد لان يكون المرء
تفسير روح البيان — صفحة 102 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي