الجزء الثاني
بسم اللّه الرحمن الرّحيم
[ تتمة سورة البقرة ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
لما عدّد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم .
أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات هزا للسامع وتنشيطا له واهتماما بأمر العبادة
شرح
قوله : ( لما عدّد فرق المكلفين الخ ) أي المؤمنين والكفار والمنافقين السابق ذكرهم من أوّل السورة إلى هنا ، وخواصهم ما اختص به كل فريق منهم من الاهتداء بالقرآن ، وإنفاق الحلال والإيمان بالغيب والفلاح والفوز في الدنيا ، والعقبى في المؤمنين ، وإصرار غيرهم على الكفر وتغشية قلوبهم ، وسوء عقباهم في الكفرة وإخفاء الكفر والخداع ، وضررهم العائد عليهم في المنافقين . وقوله : ومصارف أمورهم المصارف جمع مصرف من صرف المال إذا أنفقه أو من صرف الدينار بالدراهم إذا أبدله استعير هنا لما هم عليه في أعمالهم وأعمارهم أو لما يؤول إليه أمرهم من الفوز بالسعادة أو الخسران وهو ظاهر ، وهذا معنى قوله في الكشاف عدّد اللّه فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم وما اختصت به كلّ فرقة مما يسعدها ويشقيها ويحظيها عند اللّه تعالى ويرديها ولقد أجاد في حسن تلخيصه ، ويحتمل أنه طوى البيان بقوله مما يسعدها الخ ، لما يرد عليه من أنه لم يذكر للمؤمنين مشفيات ومرديات ولا للكافرين مسعدات ومحظيات وإن أجيب عنه بأن المذكور صريحا للمؤمنين المسعدات ولغيرهم المرديات ويفهم من ذلك ما يقابله ضمنا فيكون الكل مذكورا للحل فإنه ردّ بأنّ الاختصاص حينئذ لا معنى له فإن المقابل لما اختص بكل فرقة ليس مخصوصا بها لوجوده في المقابل الآخر وإن كان غير وارد لأن مسلكه أسلم من التكلف على أنا نقول إنه لا وجه للردّ لأنّ مقابل كل خاصة لم يلحظ فيه اتصاف الآخر به هنا إذ مقابل الاهتداء بنور الفرقان شامل لعدم الوقوف عليه كمن لم تبلغه الدعوة وإنفاقه الخير في الخير يقابله عدمه الشامل لمن لم ينفق أصلا ولم يقصد ذمّ مقابلتهم بذلك وكذا الصلاة وغيرها من العبادات ومسعدات الأشقياء المفهومة مما أشقاهم اللّه به لا يمدح به المؤمنون كما قيل :ألم تر أنّ السيف ينقص قدره * إذا قيل إنّ السيف أمضى من العصى( فلا ) وجه لما قيل من أنّ الردّ مردود لظهور اختصاص ذلك المقابل بتلك الفرقة بملاحظة انفهامه ضمنا وكونه مفروضا غير محقق مثلا إذا قلت الصفات المذكورة للمؤمنين مسعدات يفهم منه أنهم لو كانوا اتصفوا بمقابلاتها لشقوا ، ولم يمكن إجراء ذلك في حق الكفار