متناهية الأعداد والأدوار والأكوار ، وهذا يستلزم استمرار هذه الدار وبقاء الفلك الدوار ، وهو مما يصادم القوانين الدينية والقواعد الملية ، لقوله تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ 40 / 16 ] وقد أشار تعالى إلى تقرير هذه الشبهة المفصلة بقوله :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ 10 / 48 ] .
والجواب الحق ما وقعت الإشارة إليه بقوله سبحانه :
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ
[ 36 / 49 ] وتوضيحه على وزان ما علمت من المذكور في دفع الشبهة الواردة من جهة المكان ، فإن الزمان والمكان متوافقان في الأحكام ، و « أين » و « متى » متلازمان في نحو الوجود والقوام ، منسلكان في سلك واحد من الانتظام ، فكما ان مكان الآخرة خارج عن أمكنة هذا العالم ، فكذا زمانها خارج عن أزمنة هذه الدار الفانية ، بل هما محيطتان بهذين ، نسبة كل منهما نسبة واحدة إلى ما بإزائها من خصوصيات أمكنة هذا العالم وأزمنته .
أو لا ترى انه قد عبّر عن زمان الآخرة بغاية العلة ، لقوله ،
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
[ 16 / 77 ] تنبيها على فعلية الأشياء هناك وكونها على غاية الكمال والتمام ، وأنت إذا قست مبادي الحركات المتفاوتة قوة وضعفا وسرعة وبطوء بعضها إلى بعض ، كقوى الرامين سهاما نحو المرمى في مسافة واحدة فوجدت كلما كان أقوى قوة وأسرع حركة فهو أقل زمان حركة ، حتى لو فرضت قوة مباشرة للتحريك في غاية الشدة كانت الحركة واقعة منها دفعة واحدة ، فإذا أشير إلى زمان الآخرة أشير إلى أقل ما يتصور من الأزمنة ، وإذا أشير إلى مكان الآخرة أشير إلى أوسع ما يتصور من الأمكنة ، كقوله :
جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
[ 3 / 133 ] وأمر الإعادة كأمر الإبداع
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
[ 54 / 50 ] وشأن البداية كشأن النهاية حذو القذة بالقذة ، وكل إنسان يرجع في آخر أمره إلى فطرته الأصلية التي خرج عنها ، ورد إلى مبدئه الذي صدر منه ما لم يتغيّر فطرته الأصلية بالمسخ أو الطمس ، نعوذ باللّه من الحور بعد الكور .