يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ 41 / 44 ] .
ومن الآراء السخيفة أيضا اعتقاد أكثر الناس إن أجسام أهل الجنة أجساد لحمية كثيفة ، مركبة من أخلاط أربعة قابلة للاستحالات معرضة للآفات . وإذا تأمّل أحد فيما وصف اللّه تعالى من صفات أهل الجنة ظهر له فساد هذا الرأي ، وذلك قوله سبحانه :
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ
[ 15 / 48 ] و :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ
[ 44 / 56 ] وانهم
فِيها خالِدُونَ
[ 2 / 25 ] و :
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ 2 / 62 ] .
ومن علامات حقيّة الاعتقادات أن لا يقع فيها تناقض وتخالف ، وهرج ومرج ، وأكثر آراء المجادلين والمتشبهين بالعلماء - كأكثر الكلاميين - يكون بحيث إذا أعرض صاحبه على عقله أنكره ضميرا - وإن أقرّ به لسانا - ويجده مناقضا لسائر اعتقاداته وأصوله ، فيقع عند ذلك في شك وحيرة وسوء ظن بربه ، كما قال اللّه تعالى :
ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ 41 / 23 ] .
ولا بد لكل أحد أن يعلم أن الجنة والنار الجسمانيتين غير معلومتي الكنه إلا للمكاشفين ، الذين اكتحلت عيونهم بنور اللّه وغلب عليهم ظهور سلطان الآخرة ، فصاروا بحيث يكون أبدانهم في الدنيا ساكنة 147 ، وأرواحهم في الآخرة سائرة ، فهم من أهل الاطلاع على حقائق الأمور الأخروية ، ولا بد للمحجوبين ومن لم يقف على أسرارهم ولم يصل بعد إلى مقامهم أن يعتقدوا ايمانا بالغيب إن الجنة التي عرضها السماوات والأرض موجودة في عالم الغيب ، بحيث لا يمكن مشاهدتها بهذه العين ، وليست أجسام الآخرة من هذه الأجسام حتى يقع بينهما تزاحم وتضائق ، بل التزاحم والتضائق من خواص هذه الأجساد التي يشاهد بهذه الحواس الداثرة المستحيلة ، وتلك الأجساد لا تشاهد إلا بالبصيرة الباطنية .
ولا بد أيضا أن يعلم 148 كل من آمن باليوم الآخر إن للأعمال والأفعال الدنيوية