قال : نعم ، أمّا أنا ، فإنّي قد أصبحت في نعم اللّه وإحسان لا يحصى عددها ولا يؤدى شكرها ، راضيا بما قسم لي وقدّر ، صابرا لأحكامه ، لا أريد لأحد من الخلق سوء ، ولا أضمر له دغلا ، ولا أنوي لهم شرا . نفسي في راحة ، وقلبي في فسحة ، والخلق من جهتي في أمان . أسلمت لربي ، مذهبي وديني دين أبي إبراهيم عليه السّلام أقول كما قال :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ 14 / 36 ]
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ 5 / 118 ] .
واعلم أيّها السالك إلى جوار اللّه أن أمثال هذه الآراء والاعتقادات كثيرة ، وأكثر هذه الجدليّات مؤلمة لنفوس معتقديها ومعذبة لقلوبهم ، وهو جزاء لنفوسهم وعقوبة لهم في الدنيا إلى وقت معلوم وأجل معدود وفي الآخرة أشد وأدهى ، وهي إذا اشتدت في الآخرة بحسب الظهور والتحقق صارت نيرانات ملتهبة نزّاعة للشوى وحرقات مشتعلة فظّاعة قطّاعة للقلوب كما أشار إليه بقوله :
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى
[ 79 / 36 ] وقوله :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
[ 102 / 7 ] .
واعلم أنه لا يصل الإنسان إلى معرفة اللّه على الحقيقة إلا بعد جوازه على بعض هذه الآراء الفاسدة - إما في أيام صباه أو بعد ذلك - ثم إن اللّه يهدى من يتّقى الشرك به وينجيه منها كما وعد وقال :
إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[ 19 / 72 ] .