وقال عبد اللّه بن مسعود : « ويؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورا نوره على قدر إبهام قدميه فيضيء مرّة ويطفئ أخرى فإذا أضاء قدمه مشى وإذا طفى قام » .
ولمّا كانت الحركة والإدراك متلازمين لقوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
[ 50 / 21 ] فالأول إشارة إلى قوة التحريك والثاني إشارة إلى قوة الإدراك .
ثم لكل إدراك حركة تناسبه ، فمرورهم على الصراط على قدر نور ايمانهم ، ومن كان نوره كالشمس كان مروره كطرف العين ، ومن كان نوره دون ذلك كان مروره على قدره ، فمنهم من يمر كالبرق ، ومنهم كالسحاب ، ومنهم كانقضاض الكواكب ، ومنهم من يمر كشدّ الفرس ، والذي اعطى نور على إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه يجرّ يدا ويعلّق أخرى ، ويجرّ رجلا ويعلّق أخرى ، وتصيب جوانبه النار ، فلا يزال كذلك حتى يخلص ، وبهذا يقاس تفارق الناس في المعارف .
ولذلك
جاء في الخبر : « إنه تعالى يخرج يوم القيامة من النار من في قلبه مثقال ذرّة من الايمان ، ونصف مثقال وربع مثقال ، وشعيرة وذرّة » « 1 » .
كل ذلك تنبيه على تفاوت درجات الايمان بحسب قوة اليقين وإشراقه ، وسرعة التفطّن والتحدّس بحقائقه وأسراره وأن هذه المقادير من الايمان لا يمنع دخول النار .
وقال بعض العلماء في مفهوم هذا الخبر : « إن من إيمانه يزيد على مثقال فإنه لا يدخل النار إذ لو دخل لأمر بإخراجه أولا ، وإنّ من في قلبه مثقال ذرّة لا يستحق الخلود في النار وإن دخلها » .
وقوله تعالى :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ 3 / 139 ] تفضيل للمؤمن العارف على المسلم وهو المقلّد مع سلامة قلبه عن النفاق .
وأما قوله تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
[ 58 / 11 ] فأراد هاهنا « بالذين آمنوا » الذين صدقوا تقليدا من غير علم برهاني
هامش
( 1 ) جاء ما يقرب منه في سنن ابن ماجة : المقدمة ، باب في الايمان : 1 / 23 .