ويصل إليه همّته إلا أن الهمم متفاوتة حسب تفاوت الأحوال .
قال ابن عباس رضى اللّه عنه : « هذا النور يكون على الصراط » . وقيل :
« في عرصة القيامة » . ولا نور هنالك إلا نور الايمان والطاعة وكل يعطى نورا على قدر علمه ( علمه ) .
مكاشفة
هذا النور المشار إليه في هذه الآية هو نور المعرفة واليقين ، فإن النفس الإنسانية من عالم النور والمعرفة لكنها بسبب التعلق بعالم الأجسام الكثيفة صارت ظلمانية محجوبة عن الإدراكات ، فإذا ارتاضت ذاتها بالرياضات الدينية والأعمال الشرعية من الأفكار والأذكار والعبادات ، وخرجت من مرتبة القوى الهيولانية 92 إلى مرتبة الفعلية حصل لها العقل المستفاد ، وهو نور يستضيء ويضيء في المعاد ، فصار نورا على نور 93 . وهذا النور العارض إنما يقذف في قلب المؤمن من عالم الملكوت بسبب اكتساب العقليات واليقينيات الصرفة عند تصوره الخير الحقيقي ، أو بسبب اكتساب الاعتقادات المحمودة 94 والظنون الحسنة عند تصوّره الخير المظنون .
فالأول نور عقلي يختص بالمقربين يسعى بين أيديهم ويصعد بهم إلى جوار اللّه وجنّات المعارف العقلية التي قيل في وصفها :
« ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » .
والنور الآخر نور يختصّ بغيرهم من السعداء يسعى بأيمانهم ويذهب بهم إلى جنات جسمانية منوّرة غاية ما يتصور فيها لهم وفي حقهم من الصفاء والنورية والضياء .
وإشراق نور كل أحد بقدر قوة معرفته وإيمانه ، ولهذا
وقع في الأخبار : إن أنوار الأخيار والأبرار مختلفة في الإضائة والآثار .
قال قتادة : « إن المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك ، حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه » .