وجعلنا الكتاب هاديا لهم - عن الحسن - وجعلنا منهم أئمة يهدون الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين اللّه وشرائعه لما صبروا عليه من مشاقّ التكليف وتثبتهم على اليقين ، كما نجعلن من أمتك أئمة يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين وتثبتوا عليه من اليقين - وعن الحسن : صبروا عن الدنيا .
ونقل في الكشاف : إنما جعل اللّه التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل عليه السّلام . وهذا النقل أيضا يدل على أن الغالب فيها الأحكام العملية التي يتطرق إليه النسخ والتغيير ، دون المعارف والربوبيات المحفوظة عنها .
مكاشفات سريّة ونفثات روعيّة
اعلم إن الفرق بين القرآن المجيد وسائر كتب اللّه المنزلة على الأنبياء ، بأن القرآن كلام اللّه وكتابه جميعا وغيره كتاب فقط ، وكلام اللّه أشرف من كتابه بوجوه :
أولها : إن كلامه تعالى قوله ، وكتابه فعله ، والقول أقرب من القائل من الكتاب إلى الكاتب ، فكلام اللّه أشرف من كتابه .
وثانيها : إن الكلام والقول من عالم الأمر :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ 16 / 40 ] والكتاب من عالم الخلق ، وعالم الأمر كله علوم عقلية وحقائق معنوية بخلاف عالم الخلق ، لأن العلوم والمعاني زائدة فيه على صحائف مداركها وألواح مشاعرها .
وثالثها : إن كلام اللّه نزل على قلب الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وسره ، وكتاب اللّه نزلت صورة ألفاظها على ألواح وقراطيس .
ورابعها : إن تلقّى الكلام وتعلّمه بأن يتجلى حقيقته وتنور معناه على قلب من يشاء من عباده ، لقوله تعالى :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ 42 / 52 ] ومن علمّه اللّه تعالى القرآن بهذا التعليم كان عليه من اللّه فضلا عظيما ، كما قال لحبيبه بعد تعليمه :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ