تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
فكذلك جعل في الآخرة النار دواء كالكيّ من داء وأيّ داء أكبر من الكبائر فدفع بدخولهم يوم القيمة داء عظيما أعظم من النار وهو البعد عن حضرته كما في الحدود الدنياويّة وقاية من عذاب الآخرة . وأما النوع الثاني وهو التطهير فمثاله لو أنّ ذهبا مزّج برصاص ونحاس لمصلحة لا يمكن حصولها إلا بالمجموع ثم إذا انقضى الوقت المراد لأجله هذا الجمع والتركيب وحصل المطلوب وقصد تميز الذهب ممّا مازجه من غير جنسه ، لا بدّ وأن يجعل في النار الشديدة لينفرد الذهب عن غير جنسه ، ويظهر كماله الذاتي ويذهب ما جاوره مما لم يطلب لنفسه وإنّما أريد لمعنى فيه يتّصل بالذهب ، وقد اتّصل كماء الورد كان أصله ماء فعاد إلى أصله لكن بمزيد عطريّة وكيفيّات مطلوبة . وهكذا الأمر في الغذاء توصله الغاذية ويضمّه إلى الإنسان فإذا استخلصت الطبيعة منه المراد رمت بالثفل إذ لا غرض فيه وإليه الإشارة بقوله تعالى
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ 8 / 37 ] . وقال أيضا في هذا المعنى ببيان أوضح وأتمّ تفصيلا
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى
الآيات ، فتدبّر . ففيها تنبيهات شريفة على أحوال أهل قبضة الغضب وأهل قبضة الرحمة « 1 » .
هامش
( 1 ) لتعلم ان الوجه في ذلك ان مياه النفوس خلقت من منبع واحد كما قال : « خلقكم
تفسير القرآن الكريم — صفحة 160 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )