فائدة
إنّ في تقديم إيّاك على نعبد وجوها :
منها : إنّ في هذا التقديم تنبيها منه للعابد على أنّ المنظور إليه في العبادة هو المعبود نفسه لا شيء آخر من طلب ثواب أو دفع عقاب .
ومنها : إنّه قدم نفسه لتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو اللّه الحقّ فلا يلتفت يمينا وشمالا ولا يتكاسل في الطاعات ولا يثقل عليه تحمّل العبادات من الركوع والسجود فإنّه إذا ذكر قوله : إيّاك ، يحضر في قلبه معرفة الربّ تعالى فبعده سهلت عليه تلك الطاعات وهانت عليه مشقّة العبادات ، ومثاله من أراد حمل جسم ثقيل يتناول قبل ذلك ما يزيده قوّة وشدّة . فالعبد لمّا أراد حمل التكاليف الشاقّة يتناول أولا معجون معرفة الربوبيّة من قوله إيّاك حتّى يقوى على حمل ثقل العبوديّة .
ومنها : إنّك إذا قلت : نعبدك بتقديم ذكر العبادة منك ، فقبل أن تذكر إنّها لمن هي فيحتمل أنّ الشيطان يقول : إنّها للأصنام أو للأجسام كالشمس والقمر : أما إذا غيّرت هذا الترتيب وقلت أولا : إيّاك ثمّ قلت : ثانيا : نعبد فلم يبق مجال لهذا الاحتمال وكان أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الإشراك .
ومنها : إنّ المعبود متقدّم في الوجود والشرف على الممكن وكان ينبغي أن يكون ذكره متقدّما على ذكر غيره .
فائدة أخرى [ سر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ]
اعلم إن الدنيا لمّا كانت دار التعب والكلال والسأمة والملال فمن عادة فصحاء العرب التفنن في الكلام والعدول من طرز إلى طرز تنشيطا للسامع وتنبيها لذهنه عند