ونظير الوارد في هاتين الآيتين قوله تعالى « 1 » :
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ »
- تأنيسا لنبينا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ورد فيما بعد « 2 » :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ »
. فقف على ذلك ؛ وقد تبين جليل النظم ، وهو التناسب ، وتأمّل أمرهما اللّه هنا بالإخبار بأنهما رسولا ربّه ، وأمرهما في آية أخرى بالتلطف له في الموعظة ؛ لأنه أعون على قبول النصح ، وإنفاذ الدعوة ، وإماتة القلوب إلى ما تدعى إليه ؛ وهذا كقوله تعالى « 3 » :
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ »
.
واختلف في معنى القول اللين ؛ فقيل : عداه شبابا لا يهرم بعده ، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت ، وأن تبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته .
وقيل : لا تواجهاه بما يكره ؛ فإن في ذلك تنفيرا له ؛ أو لما له من حق التربية لموسى ؛ فقد روى أنّ اللّه عزّ وجل قال : كانت لفرعون على موسى حقّ التربية ، فأردت أن أكافئه بقولي : " فقولا قولا ليّنا " . وقيل كنّياه ، وكان له ثلاث كنى :
أبو العباس ، وأبو الوليد ، وأبو مرة .
وقد روى أنّ إبليس أتى إليه ودقّ عليه الباب ، فقال : من ؟ فقال له إبليس :
من ادّعى الرّبوبية يعرف من أنا ؟ فقال له فرعون : هل علمت من هو شر منّا « 4 » ؟
قال إبليس : من باع آخرته بدنيا غيره .
فانظر هذا اللطف العظيم مع من ادّعى الربوبية ، فكيف بمن أقر له بالعبودية وعبده مدة مديدة ، أتراه لا يعامله بما تدهش له النفوس من العيشة الهينة ؟
هامش
( 1 ) الأنعام : 112
( 2 ) الأنعام : 137
( 3 ) النحل : 125
( 4 ) في هامش ب : منى .