تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
اللّه إلى النحل صنعة العسل . قال الغزالي : لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها من النجاسات والأقذار وطاعتها لواحد من جملتها ، وهو أكبرها شخصا ، وهو أميرها ، ثم ما سخّر اللّه له من أمرها من العدل والإنصاف بينها حتى إنه ليقتل منها على باب المنفذ كلّ ما وقع على نجاسة لقضيت من ذلك العجب إن كنت بصيرا في نفسك ، وفارغا من همّ بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك ، ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنيانها من الشمع ، واختيارها من جميع الأشكال المسدس ، فلا تبنى بيتها مستديرا ولا مربّعا ولا مخمسا ، بل مسدسا لخاصية في ميل المسدس يقصر فهم المهندسين عن درك ذلك ؛ وهو أنّ أوسع الأشكال وأخواها المستدير ، وما يقرب منه ؛ فإن المربع يخرج منه زوايا ضائعة ، وشكل النحل مستدير مستطيل ، فترك المربّع حتى لا تبقى الزوايا فارغة ؛ ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة ، فإن الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصّة ، ولا شكل من الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس وهذه خاصية هذا الشكل . فانظر كيف ألهم اللّه تعالى هذا النحل على صغر جرمه لطفا به وعناية بوجوده فيما هو محتاج إليه ليتهنّأ عيشه ؛ فسبحانه ! ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه ! ولو ذكرنا منافع النحل ، وما أودع فيها لاحتاج إلى مجلد ؛ ولذلك مثّل صلى اللّه عليه وسلم المؤمن بالنحلة إن صاحبته نفعك ، وإن ساررته نفعك ، وإن جالسته نفعك . وكذلك النحلة على ما فيها منافع .
معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 393 | جلال الدين السيوطي / علي محمد البجاوي / علي محمد البجاوي