تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
فإن قلت : ما فائدة الإتيان بمن ، وقد كان يستغنى عنها ؟ فالجواب أن فائدة الإتيان بها نفى توهّم مجاز التشبيه ، نحو زيد أسد ، وكقوله عليه السلام في صحيح مسلم : إنّ أحدكم لا يزال راكبا ما انتعل . ففرق بين خاتم فضة ومن فضة ؛ فإن الأول يحتمل أنه تشبيه محذوف الأداة ، والثاني نصّ لا يتطرق إليه احتمال البتة . وقد يقال : إن الإتيان بها هو الأصل ؛ لأن الإضافة في مثله على معنى من ، نحو ثوب خزّ ؛ وإنما يستغنى [ 259 ب ] بذكرها مع الإضافة ، ولما تعذرت الإضافة هنا بإضافة السرابيل إلى ضمير المحدّث عنهم تعيّن الإتيان بها رجوعا للأصل ، لتدلّ على التبعيض المقصود من هذا التركيب . وفائدة قصده هنا الإعلام بأن هناك قطرانا غير ما جعل من السرابيل ، ليصبّ عليه ، فيزداد اشتعال النار عليهم بذلك ، أو تجدد منه السرابيل إن ذهبت الأولى بذهاب الجلود التي طليت بما شبّه منه بالسرابيل :
« كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها »
، أو يسقونه فتحترق أفئدتهم كلما أحرقت جلودهم نار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة ، أو لغير ذلك ، ولو لم تذكر « من » لما علم أنّ هناك منه غير ما جعلت السرابيل إلا بدليل آخر . ونظير ما ذكرناه من فائدة قصد التبعيض هنا قوله صلى اللّه عليه وسلم في حكاية عن قول إبراهيم :
« فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ »
« 1 » ولا يتأتّى السربال حقيقة من القطران إلا بأن تبدّل صفته من المائعية إلى التجمد ، وحينئذ يكون إخبارا ، بخلاف المعهود منه . ويشبه على هذا الجعل أن يكون تنكيره للنوعية ؛ أي نوع من القطران غير متعارف ؛ فظهر
هامش
( 1 ) إبراهيم : 37