لما لحقه من الدهش ، وأخذ برأس أخيه هارون يجرّه ، لأنه ظن أنه فرّط في كفّ الذين عبدوا العجل ؛ فقال :
« ابْنَ أُمَّ ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي . . . »
« 1 » الآية ، فسكن حينئذ موسى . وإنما دعاه هارون بأمّه ؛ لأنه أدعى إلى العطف والحنوّ . وقرئ ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ياء المتكلم وحذفت الياء ؛ وبالفتح تشبيها بخمسة عشر ، جعل الاسمان اسما واحدا .
وفي الآية تنبيه على أنّ الغضب للّه من النصرة لدين اللّه ، فلا يغفل المرء عن الحبّ في اللّه والبغض في اللّه . وإنما غضب موسى على من ظنّ منه الإفادة والانتهاء عما هو فيه . وأما من ظن عدم ذلك فلا ينبغي إلا هجرانه وطرده .
ولعمري هل فيك نفحة من هذه النفحات فتغضب على أهلك وولدك وما ملكت يمينك إذا رأيتهم خالفوا أمر ربهم ؟ كلّا لو فهموا منك تغضّبا لترك دينهم كما تغضب عليهم إذا ضيّعوا دنياك لانتهوا ، ولكنك لا تغضب عليهم لعدم صدقك مع اللّه فلم يزيدوا إلا طغيانا كبيرا .
( سَيَّارَةٌ )
« 2 » : قوم مسافرون .
وروى أنّ السيارة التي أخرجت يوسف كانت من مدين . وقيل أعراب السيارة طلبوا الماء فوجدوا يوسف . وسليمان طلب السمكة فوجد الخاتم ، وموسى طلب النار فوجد الجبّار . وأنت يا عبد اللّه ؛ هلّا ترى شبكة الندامة في بحر الاستغفار وتصطاد لنفسك الضعيفة حوت السلامة من الفرقة والقطيعة ، فإن كنت أحذق فعليك بالأوفق ؛ لا يشغلك شاغل عن الطاعة بجهد الاستطاعة ، فإن وقعت في ظلمة أو وحلة يخرجك كما أخرج يوسف ، وإن صيّره ملكا فيصيّرك ملكا كريما في دار ضيافته ، ويكشف لك عن كمال ذاته ، فتنظر إلى جماله .
هامش
( 1 ) الأعراف : 150
( 2 ) يوسف : 10 ، 19