فانظر هذا الأمر كيف صار كلام الناس بالنسبة إلى كلام الحوراء الذي هو من جنس كلامهم أدنى وأقبح من صوت الحمير والكلاب بالنسبة إلى كلام الناس ؛ إذ لا تجد من يتقيأ من سماع صوت الحمير أو الكلاب ، ولو سمعته إثر سماعك أفصح كلام وأعذبه ، فكيف نسبة كلام الخلق إلى كلام الخالق الذي جلّ عن المثل في ذاته وصفاته وأفعاله .
وقال أيضا رضى اللّه عنه : دخلت مسجد نبىء بالإسكندرية بالديمان « 1 » ، فوجدت النبيء المدفون هناك قائما يصلى ، عليه عباءة مخططة ، فقال : تقدم فصل .
قلت له : تقدم أنت فصل . قال : إنكم من أمة نبىء لا ينبغي لنا التقدم عليه .
قال : قلت له : بحق هذا النبي - وقد وضع فمه على فمي إجلالا للفظه النبي كي لا تبرز في الهواء . قال : فتقدمت وصليت .
فانظر إلى هذا المصاب الحالّ بنا في عدم احترامنا لذكر هذا الرسول والكتاب المنزل عليه ، فقف به على قدم الاعتذار ، واكشف رأس التّجبّر والاستكبار ، وناد بلسان الاضطرار « 2 » :
« رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ »
لعلك تسمع كلامه إذ تشفعت إليه بكلامي فأنت من المقبولين ، وتنال بذلك الفوز مع الذين أنعم اللّه عليهم [ 4 ب ] من النبيين والصديقين ، وحاشاك نسيان أخيك الجالب لك من أسرار كلامه تعالى ما تزيد فيه حلاوته والنظر فيه يزيدك له محبة .
هامش
( 1 ) في ا : بالدبعات !
( 2 ) الأعراف : 23 .