إن قلت : ما فائدة ذكره بعد قوله :
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ
مع أنّه معلوم أنه إنما يوكل من ثمره إذا أثمر ؟
قلت : فائدته نفي توهم توقف إباحة أكله ، على بدوّ صلاحه .
46 - قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً
[ الأنعام : 145 ] الآية .
أي : لا أجد فيه محرّما ، ممّا كانوا يحرّمونه في الجاهلية
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً
إلى آخره ، وإلا ففي القرآن تحريم أشياء أخر غير ذلك ، كالرّبا ، وأكل مال اليتامى ومال الغير بالباطل .
47 - قوله تعالى :
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
[ الأنعام : 147 ] .
فإن قلت : كيف قال في الجواب ذلك ، مع أنّ المحلّ محلّ عقوبة ، فكان الأنسب أن يقال : فقل ربّكم ذو عقوبة شديدة ؟ !
قلت : إنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمته ، في الاجتراء على معصيته ، وذلك أبلغ في التهديد ، معناه : لا تغتروا بسعة رحمته ، فإنه مع ذلك لا يردّ عذابه عنكم .
48 - قوله تعالى :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 148 ] الآية .
قال ذلك هنا ، وقال في النحل :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
[ النحل : 35 ] .
بزيادة
مِنْ دُونِهِ
مرتين ، وزيادة
نَحْنُ ،
لأن الإشراك يدلّ على إثبات شريك لا يجوز إثباته ، وعلى تحريم أشياء من دون اللّه ، فلم يحتج إلى
مِنْ دُونِهِ
فحذف ، وتبعه في الحذف
نَحْنُ
طردا للتخفيف .
بخلاف العبادة فإنها غير مستنكرة ، وإنما المستنكر عبادة شيء مع اللّه ، ولا يدلّ لفظها على تحريم شيء ، كما دلّ عليه " أشرك " فلم يكن بدّ من تقييده بقوله :
مِنْ دُونِهِ
وناسب استيفاء الكلام فيه زيادة
نَحْنُ
وظاهر أنّ زيادة ذكر التحريم في آية :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
تصريح بما أفاده لفظ
أَشْرَكْنا .