تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
والمستأنسين والمأنوسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
أي : وجدت لكم إطاعة الكون في
أَنْ تَنْفُذُوا
أي : تسلكوا بأجسامكم وتمضوا من غير مانع يمنعكم
مِنْ أَقْطارِ
أي : نواحي
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
هاربين من الله تعالى من أنواع الجزاء بينكم ، أو عصيانا عليه في قبول أحكامه وجري مراداته وأقضيته عليكم من الموت وغيره . وقوله تعالى :
فَانْفُذُوا
أمر تعجيز والمعنى : إن استطعتم أن تجوزوا نواحي السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا ، يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله تعالى أينما تولوا فثم ملك الله عز وجلّ . فإن قيل : ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس ههنا ، وتقديم الإنس على الجنّ في قوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ
[ الإسراء : 88 ] أجيب بأنّ النفوذ من أقطار السماوات والأرض بالجنّ أليق إن أمكن والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن فقدم في كل موضع ما يليق به . فإن قيل : لم جمع في قوله تعالى :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ
وفي قوله تعالى :
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
وثنى في قوله
أَيُّهَ الثَّقَلانِ
أجيب : بأنهما فريقان في حال الجمع كقوله تعالى :
فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ
[ النمل : 45 ]
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
[ الحج : 19 ] .
لا تَنْفُذُونَ
أي : لا تقدرون على النفوذ
إِلَّا بِسُلْطانٍ
أي : إلا بقوّة وقهر وأنى لكم ذلك ؟ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال معناه إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان أي بينة من الله تعالى . تنبيه : في هذه الآيات والتي في الأحقاف وفي قل أوحى دليل على أنّ الجنّ مكلفون مخاطبون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء مؤمنهم كمؤمنهم وكافرهم ككافرهم .
فَبِأَيِّ آلاءِ
أي : نعم
رَبِّكُما
المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به قدرته على ما يريد
تُكَذِّبانِ
أبتلك النعم أم بغيرهما ؟ . وقال البغوىّ : وفي الخبر يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
الآية ، فذلك قوله تعالى :
يُرْسَلُ عَلَيْكُما
أي : أيها المعاندون ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : حين يخرجون من القبور لسوقهم إلى المحشر
شُواظٌ مِنْ نارٍ
قال مجاهد : هو اللهب الأخضر المنقطع من النار . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو اللهب الخالص الذي لا دخان له . وقال الضحاك هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس كدخان الحطب وقال سعيد بن جبير : عن ابن عباس رضي الله عنهما : إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر وقيل : هو اللهب الأحمر . وقال عمرو : هو النار والدخان جميعا وحكاه الأخفش عن بعض العرب قال حسان « 1 » :
هجوتك فاختضعت لها بذل * بقافية تأجج كالشواظ
وقرأ ابن كثير : بكسر الشين والباقون : بضمها ، وهما لغتان بمعنى واحد مثل صوار من البقر
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو في ديوان حسان بن ثابت ص 198 .