تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة : هلكت أهل الأرض فنزل :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
فأيقنت الملائكة بالهلاك . فإن قيل : الكلام في تعدّد النعم فأين النعمة في فناء الخلق ؟ أجيب : بأنها التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب .
وَيَبْقى
أي : بعد فناء الكل بقاء مستمرّا إلى ما لا نهاية له
وَجْهُ رَبِّكَ
أي : ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته . قال ابن عباس : الوجه عبارة عنه . فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ *
وخاطب ههنا الواحد فقال :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
ولم يقل وجه ربكما ؟ أجيب : بأنّ الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد فقال : ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أنّ غيره فان فلو قال : ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه ؛ المخاطب عن الفناء ، فإن قيل : فلو قال : ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل ؛ أجيب : بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف ، والإبقاء إشارة إلى القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم ، فلهذا قال : بلفظ الرب وكاف الخطاب ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى :
ذُو الْجَلالِ
أي : العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به
وَالْإِكْرامِ
أي : الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته .
فَبِأَيِّ آلاءِ
أي : نعم
رَبِّكُما
أي : المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى
تُكَذِّبانِ
أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها ؟ . وقوله تعالى :
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
أي : كلها كلهم
وَالْأَرْضِ
كذلك مستأنف وقيل : حال من وجه والعامل فيه يبقى أي : يبقى مسؤولا من أهل السماوات والأرض بلسان الحال أو المقال أو بهما . قال ابن عباس وأبو صالح : أهل السماوات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق ، وأهل الأرض يسألونهما جميعا . وقال ابن جريج : يسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض فكانت المسألتان جميعا من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض كما في الحديث ، قال القرطبي : وفي الحديث : « إن من الملائكة ملكا له أربعة أوجه وجه كوجه الإنسان يسأل الله تعالى الرزق لبني آدم ، ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله تعالى الرزق للسباع ، ووجه كوجه الثور وهو يسأل الله تعالى الرزق للبهائم ، ووجه كوجه النسر وهو يسأل الله تعالى الرزق للطير » « 1 » . وقال ابن عطاء : إنهم يسألوه القوّة على العبادة . وقوله تعالى :
كُلَّ يَوْمٍ
منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر وهو قوله تعالى :
هُوَ فِي شَأْنٍ
والشأن الأمر روى أبو الدرداء : عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « كل يوم هو في شان قال من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربة ويرفع أقواما ويضع آخرين » « 2 » . وعن ابن عمر : عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « يغفر ذنبا ويكشف كربا ويجيب داعيا » « 3 » . وقال أكثر المفسرين من شأنه أنه يحيي
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 17 / 166 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة حديث 202 . ( 3 ) روي الحديث بلفظ : « يغفر ذنبنا ويكشف كربنا . . . » أخرجه ابن حجر في فتح الباري 8 / 623 ، والطبري في تفسيره 27 / 79 ، وابن كثير في تفسيره 7 / 471 ، والقرطبي في تفسيره 17 / 166 .