تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
عنها بعبارته ، وقيل : عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي ، وأبو فكيهة الرومي كانوا بمكة من أهل الكتاب فزعم المشركون أن محمدا يأخذ منهم فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى :
فَقَدْ جاؤُ
أي : قائلوا هذه المقالة
ظُلْماً
وهو جعل الكلام المعجز إفكا مختلقا متلقفا من اليهود ، وجعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب
وَزُوراً
أي : بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه ، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال ، والباقون بالإدغام . تنبيه : جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته ، وظلما مفعول به ، وقيل : إنه على إسقاط الخافض أي : جاؤوا بظلم . الشبهة الثانية : قوله تعالى :
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أي : ما سطره الأولون من أكاذيبهم جمع أسطورة بالضم كأحدوثة ، أو أسطار
اكْتَتَبَها
أي : تطلب كتابتها له من ذلك القوم وأخذها ، والمعنى أن هذا القرآن ليس من الله تعالى إنما هو مما سطره الأولون الأول كأحاديث رستم واسفنديار استنسخها محمد من أهل الكتاب
فَهِيَ
أي : فتسبب عن تكلفه ذلك أنها
تُمْلى عَلَيْهِ
أي : تقرأ عليه ليحفظها
بُكْرَةً
قبل أن تنتشر الناس
وَأَصِيلًا
أي : عشيا حين يأوون إلى مساكنهم ، أو دائما ليتكلف حفظها بالانتساخ ؛ لأنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب ، أو ليكتب وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ، أو مروءة كيف وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله وفيهم الكتّاب والشعراء والبلغاء والخطباء ، وهم أكثر منه مالا وأعظم أعوانا ولا يقدرون على شيء منه ، فإن قيل : كيف ؟ قيل : اكتتبها فهي تملى عليه ، وإنما يقال : أمليت عليه فهو يكتبها ؟ أجيب : بوجهين : أحدهما : أراد اكتتابها وطلبه ، فهي تملى عليه ، الثاني : أنها كتبت له وهو أمي فهي تملى أي : تلقى عليه من كتاب ليحفظها ؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب ، وقرأ
فَهِيَ
قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بكسرها . ثم أمره الله تعالى بجوابهم بقوله تعالى :
قُلْ
أي : دالا على بطلان ما قالوه ومهددا لهم
أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ
أي : الغيب
فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؛ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخبارا عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار ، فكيف تجعلونه أساطير الأولين مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور ؟ وكذلك باطن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وبراءته مما يبهتونه ، وهو يجازيكم على ما علم منكم وعلم منه . فإن قيل : كيف يطابق هذا قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ
أي : أزلا وأبدا
غَفُوراً رَحِيماً
؟ أجيب : بأنه لما كان ما يقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه ؛ لأنه لا يوصف بالرحمة والمغفرة إلا القادر على العقوبة ، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا ، ولكن صرف ذلك عنهم ؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل . الشبهة الثالثة : قوله تعالى :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ
أي : ما لهذا الذي يزعم الرسالة ، وفيه استهانة وتهكم وتصغير لشأنه ، وتسميته بالرسول سخرية منه كأنهم قالوا : ما لهذا الزاعم أنه رسول ، ونحوه قول فرعون :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
[ الشعراء ، 27 ] ، أي : إن صح أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا
يَأْكُلُ الطَّعامَ
أي : كما نأكله
وَيَمْشِي
أي : ويتردد
فِي الْأَسْواقِ
لطلب المعاش كما نمشي ، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة يعنون : أنه يجب أن يكون