تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 5

مساهمون:

ص٥
يقولون : يخلق أفعال أنفسهم ، فرد الله تعالى عليهم بقوله :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
أي : من شأنه أن يخلق ومنه أفعال العباد ، والخلق هنا بمعنى الإحداث أي : أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية
فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
أي : هيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة ، وسمي إحداث الله خلقا ؛ لأنه لا يحدث شيئا لحكمة إلا على وجه التقدير من غير تفاوت . فإذا قيل : خلق الله كذا ، فهو بمنزلة قولك : أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق ، فكأنه قيل : وأوجد كل شيء فقدره تقديرا في إيجاده ، ولم يوجده متفاوتا ، ولو حمل خلق كل شيء على معناه الأصلي من التقدير لصار الكلام : وقدر كل شيء فقدره ، فلم يصر له كبير فائدة ، وقيل : فجعل له غاية ومنتهى ومعناه : فقدره للبقاء إلى أمد معلوم . واختلف في عود الضمير في قوله تعالى :
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ
أي : الله تعالى أي : غيره
آلِهَةً
على ثلاثة أوجه : أحدها : أنه يعود على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين . ثانيها : أنه يعود على من ادعى لله شريكا وولدا لدلالة قوله تعالى :
وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
. ثالثها : أنه يعود على المنذرين لدلالة نذيرا عليهم ، ولما وصف نفسه سبحانه وتعالى بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب من يعبد غيره من وجوه منها : أنها ليست خالقة للأشياء بقوله تعالى :
لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً
والإله يجب أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد ، ومنها : أنها مخلوقة بقوله تعالى :
وَهُمْ يُخْلَقُونَ
والمخلوق محتاج والإله يجب أن يكون غنيا ، وغلب العقلاء على غيرهم ؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة ، وغيرهم كالكواكب والأصنام التي ينحتونها ويصورونها ، ومنها : أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا بقوله تعالى :
وَلا يَمْلِكُونَ
أي : لا يستطيعون
لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا
أي : دفعه
وَلا نَفْعاً
أي : جلبه ومن كان كذلك ، فليس بإله ، ومنها : أنها لا تقدر على موت ولا حياة ولا نشور بقوله تعالى :
وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً
أي : إماتة لأحد وإحياء لأحد
وَلا نُشُوراً
أي : بعثا للأموات ، فيجب أن يكون المعبود قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين ، والعقاب إلى العصاة ، فمن لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية . تنبيه : احتج أهل السنة بقوله تعالى :
لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً
على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئا ، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد ، فلو كان العبد خالقا لكان معبودا إلها ، ولما تكلم تعالى أولا على التوحيد ، وثانيا في الرد على عبدة غيره تكلم ، ثالثا في مسألة النبوة ، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . الشبهة الأولى : قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : مظهرو الوصف الذي حملهم على هذا القول ، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه
إِنْ
أي : ما
هَذا
أي : القرآن
إِلَّا إِفْكٌ
أي : كذب مصروف عن وجهه
افْتَراهُ
اختلقه محمد صلّى اللّه عليه وسلم
وَأَعانَهُ عَلَيْهِ
أي : القرآن
قَوْمٌ آخَرُونَ
أي : من غير قومه ، وهم اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 5 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين