قوله تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
[ الإسراء ، 106 ]
عَلى عَبْدِهِ
أي : محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف ، وفي عود ضمير
لِيَكُونَ
ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه يعود على الذي نزل أي : ليكون الذي نزل الفرقان نذيرا .
الثاني : أنه يعود على الفرقان أي : ليكون الفرقان نذيرا ، وأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء ، 9 ] ؛ قال ابن عادل :
وهو بعيد ؛ لأن المنذر والنذير في صفات الفاعل المخوف ووصف القرآن به مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى .
الثالث : أنه يعود على عبده أي : ليكون عبده محمد صلّى اللّه عليه وسلم
لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
أي : وبشيرا ، وهذا أحسن الوجوه معنى وصناعة لقربه مما يعود عليه والضمير يعود على أقرب مذكور ، وللعالمين متعلق بنذيرا ، وإنما قدّم لأجل الفواصل ، ونذيرا بمعنى منذر أي : مخوف ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
[ القمر ، 16 ] .
تنبيه : المراد بالعالمين قال البقاعي : أي : المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة ا ه .
ولكن في إرساله للملائكة خلاف بين العلماء ، فقد نقل الجلال المحلي في شرحه على « جمع الجوامع » الإجماع على أنه لم يرسل إليهم ، وغيره صرح بأنه أرسل إليهم ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ .
فإن قيل : قوله تعالى : تبارك يدل على كثرة الخير والبركة ، فالمذكور عقبه لا بد وأن يكون مبينا لكثرة الخير والمنافع ، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق ذكره بهذا الموضع ؟ أجيب :
بأن الإنذار يجري مجرى تأديب الوالد كما أنه « 1 » كلما كانت المبالغة في تأديب الوالد أكثر كان رجوع الخلق إلى الله تعالى أكثر ، وكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر ، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ولم يذكر منافع الدنيا البتة .
وقوله تعالى :
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه وتعالى حال حدوثها ، وأنه تعالى هو المتصرف فيها كيف يشاء ، فلا إنكار أن يرسل رسولا إلى كل من فيها .
تنبيه : يجوز في الذي الرفع نعتا للذي الأول أو بيانا أو بدلا ، أو خبرا لمبتدأ محذوف والنصب على المدح ، وما بعده يدل على أنه من تمام الصلة ، فليس أجنبيا فلا يضر الفصل به بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعا له
وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً
أي : هو الفرد أبدا ولا يصح أن يكون غيره تعالى معبودا ووارثا للملك عنه ، وهذا رد على النصارى ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
أي : هو المنفرد بالألوهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل من سواه تعالى ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه ، وفيه ردّ على الوثنية القائلين بعبادة النجوم والأوثان ، ولما نفى تعالى الشريك ، فكأن قائلا يقول : هاهنا أقوام يعترفون بنفي الشريك والشركاء والأنداد ومع ذلك
هامش
( 1 ) قوله كما أنه الخ المراد بها أن يقال : فالولد بالغ والده في تأديبه كان رجوعه إليه أكثر وأتم لسعادته وكذلك الخلق كلما بالغ خالقهم في إنذارهم كان رجوعهم إليه أكثر وأتم لسعادتهم الآخروية .