وروي عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
وهو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن ، وقيل : هو الخط الحسن ، وعن قتادة : الملاحة في العينين ، والآية كما قال الزمخشري : مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش ، ومتانة في العقل وجزالة في الرأي وجراءة في القلب وسماحة في النفس ، وذلاقة في اللسان ، ولباقة في التكلم وحسن تأنّ في مزاولة الأمور وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف .
ثم علّل تعالى ذلك كله بقوله مؤكدا لأجل إنكارهم البعث
إِنَّ اللَّهَ
أي : الجامع لجميع أوصاف الكمال
عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وتخصيص بعض الأشياء دون بعض إنما هو من جهة الإرادة .
قال أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك السماوات والأرض ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة أوضحت هذه السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه ، وأنه الأهل للحمد والمستحق إذ الكل خلقه وملكه ، وتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه وتجردت هذه للتعريف بالاختراع والخلق .
ولما وصف سبحانه نفسه المقدسة بالقدرة الكاملة دلّ على ذلك بما يشاهده كل أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه ، وقال مستأنفا أو معللا مستنتجا :
ما
أي : مهما فهي شرطية
يَفْتَحِ اللَّهُ
أي : الذي لا يكافئه شيء
لِلنَّاسِ
لأن كل ما في الوجود لأجلهم
مِنْ رَحْمَةٍ
أي : من الأرزاق الحسية والمعنوية ، من اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر قلّت أو كثرت فيرسلها
فَلا مُمْسِكَ لَها
أي : الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه إذا حصل له خير لا يعدمه من يود أنه لم يحصل ، ولو قدر على إزالته لأزاله ولا يقدر على تأثير ما فيه
وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ
يطلقه ، واختلاف الضميرين ، لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة ، والثاني مطلق يتناولها والغضب وفي ذلك إشعار بأن رحمته سبقت غضبه .
ولما كان ربما ادعى أحد فجورا حال إمساك الرحمة أو النعمة أنه هو الممسك قال تعالى
مِنْ بَعْدِهِ
أي : إمساكه وإرساله
وَهُوَ
أي : هو فاعل ذلك ، والحال أنه هو وحده
الْعَزِيزُ
أي : القادر على الإمساك والإرسال الغالب على كل شيء ، ولا غالب له
الْحَكِيمُ
أي : الذي يفعل في كل من الإمساك والإرسال وغيرهما ما يقتضيه علمه به ويتقن ما أراده على قوانين الحكمة فلا يستطاع نقض شيء منه .
ولما بيّن بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده أمر بذكر نعمته بالاعتراف أنها منه ، فإن الذكر يعود إلى الشكر وهو قيد الموجود وصيد المعدوم المفقود قال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ
أي :
الجميع ؛ لأن جميعهم مغمورون في نعمة الله تعالى ، وعن ابن عباس يريد يا أهل مكة
اذْكُرُوا
بالقلب واللسان
نِعْمَتَ اللَّهِ
أي : الذي لا منعم في الحقيقة سواه
عَلَيْكُمْ
أي : في دفع ما دفع عنكم من المحن وصنع ما صنع لكم من المنن لتشكروه ولا تكفروه .
تنبيه :
نِعْمَتَ
هنا مجرورة في الرسم وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء ، والباقون بالتاء ، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء .
ولما أمر بذكر نعمته أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته وحكمته بقوله تعالى