تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
مصرحا بما اقتضاه ما قبله
وَدَعْ
أي : اترك على حالة حسنة لك وأمر جميل بك
أَذاهُمْ
فلا تحسب له حسابا أصلا ، واصبر عليه فإن الله تعالى دافع عنك لأنك داع بإذنه
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
أي : الملك الأعلى
وَكَفى بِاللَّهِ
أي : الذي له الإحاطة الكاملة
وَكِيلًا
أي : حافظا . قال البغوي : وهذا منسوخ بآية القتال . ولما بدأ الله تعالى بتأديب النبي صلّى اللّه عليه وسلم بذكر ما يتعلق بجانب الله تعالى بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ
وثنى بما يتعلق بجانب من هو تحت يده من أزواجه الشريفات بقوله تعالى : بعده :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ
وثلث بما يتعلق بذكر العامة بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً
وكان تعالى كلما ذكر لنبيه مكرمة وعلمه أدبا ذكر للمؤمنين ما يناسبه ، فلذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بجانب الله تعالى فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ
أي : عقدتم على الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضى لغاية الرغبة فيهن ، وأتم الوصلة بينكم وبينهن ثم كما ثلث في تأديب النبي صلّى اللّه عليه وسلم بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بهم فقال بعد هذا :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ
[ الأحزاب : 53 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
[ الأحزاب : 56 ] فإن قيل : إذا كان هذا إرشادا بما يتعلق بجانب منه ومن خواص المرأة فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بقوله تعالى :
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
أي : تجامعوهن ، أطلق المس على الجماع ؛ لأنه طريق له كما سمى الخمر إثما ؛ لأنها سببه ؟ أجيب : بأن هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها . وبيانه : أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكيد العهد ، ولهذا قال تعالى في حق الممسوسة :
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
[ النساء : 21 ] فإذا أمر الله تعالى بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بما حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء ، أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما ، وهذا كقوله تعالى :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
[ الإسراء : 23 ] ولو قال : لا تضر بهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى يختص بالضرب أو الشتم لهما ، فأما إذا قال :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
لعلم منه معان كثيرة فكذلك ههنا أمر بالإحسان مع من لا مودة معها ، فعلم منه الإحسان إلى الممسوسة ، ومن لم تطلق بعد ، ومن ولدت عنده منه ، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم ، والباقون بفتح التاء ولا ألف بعد الميم . ولما كانت العدة حقا للرجال وإن كانت لا تسقط بإسقاطهم لما فيها من حق الله تعالى قال تعالى :
فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ
أي : أياما يتربصن فيها بأنفسهن
تَعْتَدُّونَها
أي : تحصونها وتستوفونها بالأقراء وغيرها ، فتعتدونها صفة لعدة ، وتعتدونها إما من العدد ، وإما من الاعتداد ، أو تحسبونها أو تستوفون عددها من قولك : عد الدراهم فاعتدها أي : استوفى عددها نحو : كلته فاكتال ووزنته فاتزن ، فإن قيل : ما الفائدة في الاتيان بثم وحكم من طلقت على الفور بعد العقد كذلك ؟ أجيب : بأن ذلك إزاحة لما قد يتوهم أن تراخي الطلاق ريثما تمكن الإصابة كما يؤثر في النسب فيؤثر في العدة ، وظاهره يقتضي عدم وجود العدة بمجرد الخلوة ، وتخصيص المؤمنات والحكم عام للتنبيه على أن شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا لنطفة المؤمن ، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح ؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم وهي