تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 714

مساهمون:

ص٧١٤
بعد نزولها لا يخرج لحاجة حتى يستأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان المنافقون يخرجون بغير إذن ، قال مجاهد : إن إذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده قال أهل العلم : كذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن ، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام ، فإن حدث سبب يمنعه عن المقام كأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة أو يجنب الرجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان ، ولما كان اعتبار الإذن كالمصدق لصحة كمال الإيمان ، والمميز للمخلص فيه أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ
أي : تعظيما لك ورعاية للأدب
أُولئِكَ
أي : العالو الرتبة
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
أي : الذي له الأمر كله
وَرَسُولِهِ
فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك ، ولما نص على الاستئذان تسبب عن ذلك إعلامه صلّى اللّه عليه وسلّم بما يفعل إذ ذاك بقوله تعالى :
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ
وهو ما تشتد الحاجة إليه ،
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
بالانصراف أي : إن شئت فأذن ، وإن شئت فلا تأذن ، ففي ذلك تفويض الأمر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واستدل به على أن بعض الأحكام مفوّض إلى رأيه . قال الضحاك ومقاتل : المراد عمر بن الخطاب وذلك « أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله ، فأذن له وقال : « انطلق فو اللّه ما أنت بمنافق » يريد أن يسمع المنافقون ذلك الكلام ، فلما سمعوا ذلك قالوا : ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم وإذا استأذناه أبى ، فو اللّه ما نراه يعدل « 1 » ، قال ابن عباس : « إن عمر استأذن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في العمرة فأذن له ثم قال : يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك » « 2 » ، ولما كان في الاستئذان ولو لعذر قصور ؛ لأن فيه تقديما لأمر الدنيا على أمر الدين أمره اللّه تعالى بأن يستغفر لهم بقوله تعالى :
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ
أي : الذي له الأمر كله بعد الإذن ليكون ذلك شاملا لمن صحت دعواه وغيره ، ثم علل ذلك ترغيبا في الاستغفار وتطييبا لقلوب أهل الأوزار بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي لا يخفى عليه شيء
غَفُورٌ
أي : لفرطات العباد
رَحِيمٌ
أي : بالتستر عليهم . ولما أظهرت هذه السورة بعمومها ، وهذه الآيات بخصوصها من شرف الرسول ما أبهر العقول صرح بتفخيم شأنه وتعظيم مقامه بقوله تعالى :
لا تَجْعَلُوا
أي : يا أيها الذين آمنوا
دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
قال سعيد بن جبير وجماعة : معناه : لا تنادوه باسمه فتقولوا : يا محمد ، ولا بكنيته فتقولوا : يا أبا القاسم ، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير ، فقولوا : يا رسول اللّه يا نبي اللّه ، وعلى هذا يكون المصدر مضافا لمفعوله ، وقال المبرد والقفال : لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض ، فتتباطؤون عنه كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر بل يجب عليكم المبادرة لأمره ، ويؤيده قوله تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
[ النور ، 63 ] ، وعلى هذا يكون المصدر مضافا للفاعل ، وقال ابن عباس : احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه ، فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره ، وروي عنه أيضا : لا ترفعوا أصواتكم في دعائه ، وهو المراد من قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ
[ الحجرات ، 3 ] ، وقول المبرد كما قال ابن عادل : أقرب إلى نظم الآية .
هامش
( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 12 / 320 .