تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 711

مساهمون:

ص٧١١
إباحة أكل الإنسان طعاما في بيته ؟ أجيب : بأن المراد من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيه بيوت الأولاد ؛ لأن بيت ولده كبيته ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنت ومالك لأبيك » « 1 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه » « 2 » ، وقيل لما نزل قوله تعالى :
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ النساء ، 29 ] قالوا : لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فأنزل اللّه تعالى :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم
أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ
أي : وإن بعدت أنسابهم قال البقاعي : ولعله جمع لذلك فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم
أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ
كذلك وقدم الأب ؛ لأنه أجل وهو حاكم بيته دائما والمال له
أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ
أي : من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع ، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين ؛ لأنهم منكم ، وهم أولياء بيوتهم
أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ ،
فإنهن بعدهم من أولي البيت ، فإن كن مزوجات فلا بد من إذن الزوج
أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ
فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أم لأم ، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط ، فإنه أحق بالاسم
أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ
فإنهن بعد الأعمام لضعفهن ؛ ولأنهن ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج
أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ
لأنهم شقائق أمهاتكم
أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ
أخرهن لما ذكر في العمات
أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ
قال ابن عباس : عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته ، ولا يحمل ولا يدخر ، وملك المفاتح كونها في يده وحفظه ، وقال الضحاك : يعني من بيوت عبيدكم ومماليككم ؛ لأن السيد يملك منزل عبده والمفاتح الخزائن بقوله تعالى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
[ الأنعام ، 59 ] ويجوز أن تكون الذي يفتح به ، وقال عكرمة : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير ، وقال السدي : الرجل يولي طعام غيره ويقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه ، وقيل : أو ما ملكتم مفاتحه ما خزنتموه عندكم ، وقال مجاهد وقتادة : من بيوت أنفسكم مما ادخرتم وملكتم
أَوْ صَدِيقِكُمْ
أي : أو بيوت أصدقائكم ، والصديق هو الذي صدق في المودة ويكون واحدا وجمعا ، وكذا الخليط والقطين والعدو قال ابن عباس : نزلت في الحارث بن عمرو خرج غازيا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تحرجت أكل طعامك بغير إذنك ، فأنزل اللّه هذه الآية . يحكى عن الحسن أنه دخل داره ، وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص ولطائف الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون ، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال : هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين ، وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء ، فإذا حضر مولاها ، فأخبرته أعتقها سرورا بذلك ، وعن جعفر بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله اللّه تعالى في الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ . وعن ابن عباس : الصديق أكبر من الوالدين ، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل قالوا :
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
[ الشعراء ، 101 ] ، والمعنى يجوز الأكل
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في البيوع حديث 3530 ، وابن ماجة في التجارات حديث 2292 . ( 2 ) انظر الحاشية السابقة .