تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 715

مساهمون:

ص٧١٥
ولما كان بعضهم يظهر الموافقة ويبطن المخالفة حذر من ذلك بقوله تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
أي : الذي لا تخفى عليه خافية
الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ
أي : ينسلون قليلا قليلا ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء ، ونظير تسلل تدرج وتدخل ، وقوله تعالى :
لِواذاً
حال أي : ملاوذين ، واللواذ والملاوذة التستر يقال : لاذ فلان بكذا إذا استتر به ، وقال ابن عباس : أي : يلوذ بعضهم ببعض ، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة لا سيما في خطبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار ، وقد للتحقيق وتسبب عن علمه تعالى قوله تعالى :
فَلْيَحْذَرِ
أي : يوقع الحذر
الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أي : يعرضون عن أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وينصرفون عنه بغير إذنه ، وقال أبو بكر الرازي : الضمير في أمره للّه ؛ لأنه يليه ، وقال الجلال المحلي : أي : اللّه ورسوله وكل صحيح ، فإن مخالفة أمر أحدهما مخالفة أمر الآخر
أَنْ
أي : لئلا
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
قال مجاهد : بلاء في الدنيا ، وعن ابن عباس : فتنة قتل ، وعن عطاء : زلال وأهوال ، وعن جعفر بن محمد : يسلط اللّه عليهم سلطانا جائرا
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : وجيع في الآخرة . تنبيه : الآية تدل على أن الأمر للوجوب ؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر ، ومخالف الأمر يستحق العذاب ، ولا معنى للوجوب إلا ذلك . ولما أقام تعالى الأدلة على أنه نور السماوات والأرض وختم بالتحذير لكل مخالف أنتج ذلك أن له كل شيء فقال تعالى :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خلقا وملكا وعبيدا ، فإن قيل : ما فائدة ذكر عبيدا بعد ملكا ؟ أجيب : عنه إنما ذكر لئلا يتوهم أن ما لما لا يعقل فقط ، ولما كانت أحوالهم من جملة ما هو له ، وإنها بخلقه قال تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ
أي : أيها المكلفون
عَلَيْهِ
أي : من الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق ، وإنما أكد علمه بقد لتأكيد الوعيد ، وذلك أنّ قد إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما ، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قول بعضهم « 1 » :
فإن تمس مهجور الفناء فربما * أقام به بعد الوفود وفود
ونحوه قول زهير « 2 » :
أخي ثقة لا تهلك الخمر * ماله ولكنه قد يهلك المال نائله
والمعنى : أن جميع ما في السماوات والأرض مختص به تعالى فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين ، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها ؟ وقوله تعالى :
وَيَوْمَ
أي : ويعلم يوم
يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ
فيه التفات عن الخطاب أي : متى تكون ، أو ويوم يرجع المنافقون إليه للجزاء
فَيُنَبِّئُهُمْ
أي : فتسبب عن ذلك أنه يخبرهم
بِما عَمِلُوا
أي : من الخير والشر فيجازيهم عليه
وَاللَّهُ
أي : الذي لا تخفى عليه خافية
بِكُلِّ شَيْءٍ
أي : من أعمالهم وغيرها
عَلِيمٌ
عن
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لمعن بن زائدة في أمالي المرتضى 1 / 223 ، ولأبي عطاء السندي في خزانة الأدب 9 / 539 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 800 ، والشعر والشعراء 2 / 773 ، ولسان العرب ( عهد ) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 3 / 186 ، وجواهر الأدب ص 366 ، 368 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان زهير بن أبي سلمى ص 134 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 715 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين