تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
فولد له عشر بنين ، فبلغ ذلك معاوية فقال : هلا سألته ممّ قال ذلك ؟ فوفد مرّة أخرى فسأله الرجل فقال : ألم تسمع قول هود :
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
وقول نوح :
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ
[ نوح ، 13 ] .
وَلا تَتَوَلَّوْا
أي : ولا تعرضوا عن قبول قولي ونصحي حالة كونكم
مُجْرِمِينَ
أي : مشركين . ولما حكى اللّه تعالى عن هود ما ذكره لقومه حكى أيضا ما ذكره قومه له وهو أشياء : أوّلها : ذكره تعالى بقوله :
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
أي : بحجة تدل على صحة دعواك . وسميت بينة ؛ لأنها تبين الحق ، ومن المعلوم أنه عليه الصلاة والسّلام كان قد أظهر لهم المعجزات إلا أن القوم لجهلهم أنكروها وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات . وثانيها : قولهم :
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا
أي : عبادتها ، وقولهم :
عَنْ قَوْلِكَ
أي : صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي ، وهذا أيضا من جهلهم فإنهم كانوا يعرفون أنّ النافع والضارّ هو اللّه تعالى وأن الأصنام لا تضر ولا تنفع وذلك حكم فطرة العقل وبديهة النفس ، وثالثها : قولهم :
وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
أي : مصدّقين ، وفي ذلك إقناط له من الإجابة والتصديق . ورابعها : قولهم :
إِنْ
أي : ما
نَقُولُ
في شأنك
إِلَّا اعْتَراكَ
أي : أصابك
بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ
لسبك إياها فجعلتك مجنونا وأفسدت عقلك ، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك
قالَ
هود عليه السّلام مجيبا لهم :
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ
عليّ
وَاشْهَدُوا
أنتم أيضا عليّ
أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ
أي : اللّه وهو الأصنام التي كانوا يعبدونها
فَكِيدُونِي
أي : احتالوا في هلاكي
جَمِيعاً
أنتم وأصنامكم التي تعتقدون أنها تضر وتنفع فإنها لا تضرّ ولا تنفع . فائدة : اتفق القراء على إثبات الياء في كيدوني هنا وقفا ووصلا لثباتها في المصحف
ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ
أي : تمهلون ، وهذا فيه معجزة عظيمة لهود عليه السّلام ؛ لأنه كان وحيدا في قومه وقال لهم هذه المقالة ولم يهبهم ولم يخف منهم مع ما هم فيه من الكفر والجبروت ثقة بالله تعالى كما قال تعالى :
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
أي : فوضت أمري إليه واعتمدت عليه
ما مِنْ دَابَّةٍ
تدب على الأرض ويدخل في هذا جميع بني آدم والحيوان ؛ لأنّهم يدبون على الأرض .
إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
أي : مالكها وقاهرها فلا يقع نفع ولا ضر إلا بإذنه والناصية كما قال الأزهري : عند العرب منبت الشعر في مقدّم الرأس ، وسمي الشعر النابت هنا ناصية باسم منبته ، والعرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا : ما ناصية فلان إلا بيد فلان ، وكانوا إذا أسروا الأسير وأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره ، فخوطبوا في القرآن بما يعرفون من كلامهم
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي : طريق الحق والعدل فلا يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان والإنصاف فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بعصيانه . وقوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّوْا
فيه حذف إحدى التاءين ، أي : تعرضوا
فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ
جميع
ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
فإن قيل : الإبلاغ كان قبل التولي فكيف وقع جزاء للشرط ؟ أجيب : بأنّ معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير من جهتي وصرتم محجوجين ؛ لأنكم أنتم الذين أصررتم على التكذيب وقوله :
وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ
استئناف بالوعيد لهم بأنّ اللّه تعالى يهلكهم ويستخلف قوما آخرين في ديارهم وأموالهم يوحدونه تعالى ويعبدونه
وَلا تَضُرُّونَهُ
أي : اللّه بإشراككم
شَيْئاً
من الضرر إنما تضرون أنفسكم . وقيل : لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم ؛ لأنّ