ثالثها : انتقال الكركي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طالبا لما يوافقه من الأهوية ، ويقال : من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت الفرس الذي قاتله وقتا ما ، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها يقال لها القطقاط ، وينظف ما بين أسنانها ، وعلى رأس ذلك الطائر كالشوكة فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطائر تأذى من تلك الشوكة فيفتح فاه ، فيخرج ذلك الطائر ، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية سعترا جبليا ، ثم تعود وقد عوفيت من ذلك ، وحكي عن بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنها إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ، ولا تزال كذلك ، وكان ذلك الشخص قاعدا في كن ، وكانت البقلة قريبة من مسكنه ، فلما اشتغل الحباري بالأفعى قلع البقلة ، فعاد الحباري إلى منبتها فلم يجدها فأخذ يدور حول منبتها دورانا متتابعا حتى خرّ ميتا ، فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من اللسعة ، وتلك البقلة هي الجرجير البري ، وابن عرس يستظهر في مقاتلة الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية تنفر منها الأفعى ، والكلاب إذا مرضت بطونها أكلت سنبل القمح ، وإذا جرحت داوت الجراحة بالسعتر الجبلي .
رابعها : القنافذ تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب ، فتغير المدخل إلى جحرها ، وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ينذر بالرياح قبل هبوبها ، وينفع الناس بإنذاره ، وكان السبب فيه قنفذا في داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به ، والخطاف صناع في اتخاذ العش من الطين ، وقطع الخشب ، فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا من الطين ، وإذا فرخ بالغ في تعهد الفراخ وتأخذ رزقها بمنقارها ، وترميها من العش ، والغرانيق تصعد في الجو عند الطيران ، فإن حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها حفيفا مسموعا يتبع به بعضها بعضا ، وإذا باتت على جبل فإنها تضع رأسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه وإذا سمع جرسا صاح ، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضا أمر عجيب ، وإذا كشف عن بيوتها الساتر الذي كان يسترها ، وكان تحته بيض لها ، فإن كل نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت ، والاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان ، والمقصود في ذلك أن الفضلاء من العقلاء يعجزون عن أمثال تلك الحيل وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال : إنها تسبح اللّه تعالى وتثني عليه ، وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي تعرفها الناس ، ويؤيد هذا قوله تعالى :
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء ، 44 ] ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن نوحا أوصى بنيه عند موته بلا إله إلا اللّه فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن في حلقة مبهمة قصمتهن ، وسبحان اللّه وبحمده فإنها صلاة كل شيء ، وبها يرزق كل شيء » « 1 » ، وقال الغزالي في الإحياء : روي « أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : تولت عني الدنيا ، وقلّت ذات يدي ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق ، وبها يرزقون ؛ قال : فقلت : وما هي يا رسول اللّه ، قال : قل « سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم أستغفر اللّه مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح تأتيك الدنيا راغمة صاغرة ، ويخلق اللّه عز وجل من كل كلمة ملكا يسبح اللّه إلى يوم القيامة لك ثوابه » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5 / 13 ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار 1 / 300 .
( 2 ) أخرجه العراقي في المغني عن حمل الأسفار 1 / 300 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5 / 13 ، وابن حجر في لسان الميزان 1 / 1069 ، و 3 / 1700 ، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة 2 / 182 .