تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 32 إلى 36 ]

قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) واختلف في سبب نزول قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
أي : بعمله الذي يعمل من أعمال البرّ
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ
أي : التي عملوها من خير كصدقة وصلة رحم
فِيها
أي : في الدنيا
وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
أي : نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرياسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد ونحو ذلك .
أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ
أي : بطل
ما صَنَعُوا
أي : عملوا
فِيها
أي : الآخرة فلا ثواب لهم
وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
لأنه لغير اللّه تعالى ، فقال مجاهد : نزلت في أهل الرياء قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا : يا رسول اللّه ، وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء » « 1 » . والرياء هو أن يظهر الإنسان الأعمال الصالحة لتحمده الناس ويعتقدوا فيه الصلاح ، فهذا هو العمل الذي لغير اللّه تعالى - نعوذ بالله من الخذلان - وقال أكثر المفسرين : إنّها نزلت في الكافر ، وأمّا المؤمن فيريد الدنيا والآخرة ، وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة . وعن أنس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ اللّه لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة . وأمّا الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا » « 2 » . وقيل : نزلت في المنافقين الذين يطلبون بغزوهم مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها . وقيل : في اليهود والنصارى وهو منقول عن أنس . ولما ذكر تعالى الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ذكر من كان يريد بعمله وجه اللّه تعالى والدار الآخرة بقوله تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
قيل : هو النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والبينة هي القرآن
وَيَتْلُوهُ
أي : يتبعه
شاهِدٌ
يصدقه
مِنْهُ
أي : من اللّه تعالى وهو جبريل عليه السّلام
وَمِنْ قَبْلِهِ
أي : القرآن
كِتابُ مُوسى
وهو التوراة شاهد له أيضا وقوله تعالى
إِماماً
أي : كتابا مؤتما به في الدين
وَرَحْمَةً
أي : على المنزل عليهم ؛ لأنه الوصلة إلى الفوز بسعادة الدارين حال من كتاب موسى ، والجواب محذوف لظهوره ، والتقدير : أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ليس مثله بل بينهم تفاوت بعيد وتباين بين . وقيل : هو من آمن من اليهود كعبد اللّه بن سلام وغيره ، والمراد بالبينة : هو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، و
مِنْهُ
أي : من اللّه
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ،
أي : ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى ، أي : في دلالته على هذا المطلوب لا في الوجود . قال الرازي : وهذا القول هو الأظهر لقوله تعالى :
أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
وهذه صفة جمع ولا يجوز رجوعه إلى
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 228 ، 229 ، والسيوطي في الدر المنثور 4 / 256 ، وابن كثير في تفسيره 4 / 343 ، 5 / 202 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 102 ، 222 . ( 2 ) أخرجه مسلم في المنافقين حديث 56 ، وأحمد في المسند 3 / 123 ، 125 ، 283 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 56 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين