تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
فتقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ولما أخبر اللّه تعالى عن حالهم في عقاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال بقوله تعالى :
أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
فبيّن تعالى أنهم في الحال ملعونون من عند اللّه ، وهذه هي الصفة الرابعة . ثم وصفهم بالصفة الخامسة بقوله تعالى :
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي : دينه ، ثم وصفهم بالصفة السادسة بقوله تعالى :
وَيَبْغُونَها
أي : يطلبون السبيل
عِوَجاً
أي : معوجة ، أي : كأنهم ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات وتعويج الدلائل المستقيمة ؛ لأنه لا يقال في العامّي : إنه يبغي عوجا ، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيف الاستقامة ، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات ، ثم وصفهم بالصفة السابعة بقوله تعالى :
وَهُمْ
أي : والحال أنهم
بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
وتكرير لفظ هم لتأكيد كفرهم وتوغلهم فيه . الصفة الثامنة : كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب اللّه كما قال تعالى :
أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ
أي : ما كانوا معجزين اللّه في الدنيا أن يعاقبهم إذ لا يمكنهم أن يهربوا من عذابه ، فإنّ هرب العبد من عذاب اللّه تعالى محال ؛ لأنه تعالى قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالقرب والبعد ، والقوة والضعف . الصفة التاسعة : أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عقاب اللّه تعالى عنهم كما قال تعالى :
ما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : غيره
مِنْ أَوْلِياءَ
أي : أنصار يمنعوهم من عذابه . الصفة العاشرة : مضاعفة العذاب كما قال تعالى :
يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ
أي : بسبب إضلالهم غيرهم ، وقيل : لأنّهم كفروا باللّه وكفروا بالبعث والنشور . الصفة الحادية عشرة : قوله تعالى :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ
قال قتادة : صم عن سماع الحق فلا يسمعون خيرا فينتفعون به
وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
خيرا فيأخذوا به . قال ابن عباس : أخبر اللّه تعالى أنه أحال بين أهل الشرك وبين طاعة اللّه تعالى في الدنيا وفي الآخرة ، أمّا في الدنيا فإنه قال :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
وأمّا في الآخرة فإنه قال :
فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ
[ القلم ، 42 ، 43 ] . الصفة الثانية عشرة : قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
فإنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة اللّه تعالى فكان مصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وذلك أعظم وجوه الخسرانات . الصفة الثالثة عشرة : قوله تعالى
وَضَلَّ
أي : غاب
عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
على اللّه تعالى من دعوى الشريك وأنّ الآلهة تشفع لهم . الصفة الرابعة عشرة : قوله تعالى :
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
أي : لا أحد أبين وأكثر خسرانا منهم . تنبيه : قال الفرّاء : إنّ
لا جَرَمَ
بمنزلة قولنا لا بدّ ولا محالة ، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا . تقول العرب : لا جرم إنك محسن على معنى : حقا إنك محسن . وقال الزجاج : إنّ كلمة
لا
نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ، و
جَرَمَ
معناه : كسب ذلك الفعل والمعنى : لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا والآخرة . قال الأزهري : وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب . وقال سيبويه :
لا
ردّ على أهل الكفر كما مرّ . و
جَرَمَ
معناه : أحق
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 58 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين