ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه ، ففي هذا دلالة على كمال قدرته تعالى ؛ لأنّ العرش مع كونه أعظم من السماوات والأرض كان على الماء ، وقد أمسكه اللّه تعالى من غير دعامة تحته ولا علامة فوقه . وقوله تعالى
لِيَبْلُوَكُمْ
متعلق بخلق ، أي : خلقها وما فيها منافع لكم ومصالح ليختبركم وهو أعلم بكم منكم
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
أي : أطوع للّه وأورع عن محارم اللّه ، وهذا لقيام الحجة عليهم . وقد مرّ أمثال ذلك ، ولما بين تعالى أنه إنما خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم ، وهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر ؛ لأنّ الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسئ بالعقاب وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة . خاطب تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فقال جلا وعلا :
وَلَئِنْ قُلْتَ
يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك
إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ
أي : للحساب والجزاء
لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
أي :
ما
هذا
أي : القرآن بالبعث أو الذي تقوله
إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
أي : بين . وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء ، فيكون ذلك راجعا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والباقون بكسر السين وسكون الحاء .
ولما حكى تعالى عن الكفار أنهم يكذبون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حكى عنهم نوعا آخر بقوله تعالى :
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى
مجيء
أُمَّةٍ
أي : جماعة من الأوقات
مَعْدُودَةٍ
أي : قليلة
لَيَقُولُنَّ
أي : استهزاء
ما يَحْبِسُهُ
أي : ما يمنعه من الوقوع قال اللّه تعالى :
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ
كيوم بدر
لَيْسَ مَصْرُوفاً
أي : مدفوعا العذاب
عَنْهُمْ وَحاقَ
أي : نزل
بِهِمْ
من العذاب
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
أي : الذي كانوا يستعجلون ، فوضع يستهزؤون موضع يستعجلون ؛ لأنّ استعجالهم كان استهزاء . فإن قيل : لم قال تعالى :
وَحاقَ
على لفظ الماضي مع أنّ ذلك لم يقع ؟ أجيب : بأنه وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التأكيد والتقرير والتهديد . ولما ذكر تعالى أنّ عذاب الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بدّ وأن يحيق بهم ذكر بعده ما يدل على كفرهم وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب بقوله تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْنَا
أي : أعطينا
الْإِنْسانَ
أي : الكافر
مِنَّا رَحْمَةً
أي : نعمة كغنى وصحة بحيث يجد لذتها
ثُمَّ نَزَعْناها
أي : سلبنا تلك النعمة
مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ
أي : قنوط من رحمة اللّه تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به
كَفُورٌ
أي : جحود لنعمتنا عليه ، وأمّا المسلم الذي يعتقد أنّ تلك النعمة من جود اللّه وفضله وإحسانه فإنه لا يحصل له اليأس بل يقول : لعله تعالى يردها عليّ بعد ذلك أحسن وأكمل وأفضل مما كانت .
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ
أي : الكافر
نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ
كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم ، وفي اختلاف الفعلين وهما أذقناه ومسته من حيث الإسناد إليه تعالى في الأوّل وإلى الضرّاء في الثاني نكتة عظيمة وهي أنّ النعمة صادرة من اللّه تعالى تفضلا منه لخبر : « ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللّه تعالى . قيل : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا » « 1 » . والضرر صادر من العبد كسبا ؛ لأنه السبب فيه باجتلابه إياه بالمعاصي غالبا لقوله تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
[ النساء ، 79 ] ولا ينافي ذلك قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ النساء ، 78 ] فإن الكلّ منه
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المرضى ، حديث 5673 ، ومسلم في القيامة حديث 2816 .