الجدار لا إرادة له وإنما معناه قرب ودنا من السقوط كما تقول العرب : داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها فاستعير الإرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم في قوله « 1 » :
يريد الرمح صدر أبي براء * ويعدل عن دماء بني عقيل
وقول الآخر « 2 » :
إنّ دهرا يلف صدري بجمل * لزمان يهم بالإحسان
ففي البيت الأوّل دليل على استعارة الإرادة للمشارفة ، وفي الثاني دليل على استعارة الهم لها وجمل اسم محبوبته يقول : إن دهرا يجمع بيني وبينها زمان قصده الإحسان لا الإساءة ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
[ الأعراف ، 154 ] وقوله تعالى :
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس ، 82 ] وقوله تعالى :
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
[ فصلت ، 11 ] ، قال الزمخشري ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام اللّه تعالى ممن لا يعلم كان يجعل الضمير للخضر ، وقيل : إن اللّه تعالى خلق للجدار حياة وإرادة كالحيوان
فَأَقامَهُ
أي : سواه ، وفي حديث أبيّ بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فقال الخضر بيده فأقامه » « 3 » ، وقال ابن عباس : هدمه وقعد يبنيه ، وقال سعيد بن جبير : مسح الجدار بيده فاستقام وذلك من معجزاته ، وقال السدي : بلّ طينا وجعل يبني الحائط فشق ذلك على موسى فإن قيل : الضيافة من المندوبات فتركها ترك مندوب وذلك غير منكر فكيف يجوز من موسى مع علو منصبه أنه غضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه في قوله :
إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي
وأيضا مثل الغضب لأجل ترك الأكل في ليلة واحدة لا يليق بأدون الناس فضلا عن كليم اللّه تعالى أجيب : بأن تلك الحالة كانت حالة افتقار واضطرار إلى الطعام فلأجل تلك الضرورة نسي موسى ما قاله فلا جرم
قالَ
موسى :
لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً
أي : لطلبت على عملك أجرة تصرفها في تحصيل المطعوم وتحصيل سائر المهمات ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف التاء بعد اللام وكسر الخاء ، وأظهر ابن كثير الذال عند التاء على أصلها ، وأدغمها أبو عمرو والباقون بتشديد التاء وفتح الخاء ، وأظهر حفص الذال على أصله وأدغمها الباقون .
ولما كان كلام موسى هذا متضمنا للسؤال
قالَ
له الخضر :
هذا
أي : هذا الإنكار على ترك الأجر
فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ
وقيل : إن موسى لما شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالا آخر حصل به الفراق حيث قال :
إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي
فلما ذكر هذا السؤال فارقه وهذا فراق بيني وبينك أي : هذا الفراق المعهود الموعود فإن قيل : كيف ساغ إضافة بين إلى غير متعدّد ؟
أجيب : بأنّ مسوّغ ذلك تكريره بالعطف بالواو ، ألا ترى أنك لو اقتصرت على قولك : المال بيني لم يكن كلاما حتى تقول : بيننا أو بيني وبين فلان ثم قال له الخضر :
سَأُنَبِّئُكَ
أي : سأخبرك يا
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( رود ) .
( 2 ) البيت من الخفيف ، وهو لحسان بن ثابت في أساس البلاغة ( لفف ) ، ولم أقع عليه في ديوانه ، وبلا نسبة في لسان العرب ( دهر ) ، وتهذيب اللغة 6 / 192 ، وديوان الأدب 1 / 107 ، وتاج العروس ( دهر ) .
( 3 ) أخرجه البخاري في العلم حديث 122 ، ومسلم في الفضائل حديث 2380 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3149 .